تجميد البرنامج النووي الإيراني على الطاولة.. طهران تبحث مخرجًا من الضغوط وواشنطن ترفع سقف الشروط

متن نيوز

 

دخلت فكرة تعليق البرنامج النووي الإيراني لعدة سنوات دائرة النقاش الجدي داخل مراكز صنع القرار في طهران، في ظل تصاعد الضغوط الأمريكية والإسرائيلية وتزايد التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها الجمهورية الإسلامية في مرحلة توصف بأنها من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات.

وبحسب معطيات متداولة في الأوساط السياسية والدبلوماسية، تبحث القيادة الإيرانية عن صيغة توازن بين الحفاظ على ما تعتبره حقوقها النووية وتجنب الدخول في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لإيجاد تسوية دبلوماسية تقلص مخاطر التصعيد الإقليمي.

خيار التجميد بدلًا من التنازل

وتشير مصادر مطلعة إلى أن النقاشات داخل المؤسسات الإيرانية لا تدور حول التخلي الكامل عن البرنامج النووي، بل حول إمكانية تجميده لفترة زمنية محددة ضمن تفاهم سياسي وأمني أوسع.

ويُنظر إلى هذا الخيار باعتباره حلًا وسطًا يسمح لطهران بتخفيف الضغوط الدولية والعقوبات المحتملة، من دون الظهور بمظهر الطرف الذي قدم تنازلًا استراتيجيًا كاملًا في أحد أهم الملفات المرتبطة بالأمن القومي الإيراني.

ويرى مراقبون أن القيادة الإيرانية تدرك أن الظروف الإقليمية والدولية الحالية تفرض عليها التعامل بمرونة أكبر مع الملف النووي، خاصة بعد التطورات الأمنية والعسكرية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة.

واشنطن تبحث عن اختبار عملي

في المقابل، تبدو الإدارة الأمريكية حريصة على تحويل أي تفاهم محتمل إلى إجراءات ملموسة يمكن التحقق منها، بدلًا من الاكتفاء بالتعهدات السياسية.

وتدفع واشنطن نحو معالجة ثلاث قضايا أساسية تعتبرها معيارًا لجدية أي اتفاق جديد، وهي حجم المخزون الإيراني من اليورانيوم عالي التخصيب، وآليات التفتيش والرقابة الدولية، إضافة إلى المدة الزمنية التي سيشملها أي قرار بتجميد الأنشطة النووية الحساسة.

ويرى مسؤولون أمريكيون أن هذه الملفات تمثل الاختبار الحقيقي لأي اتفاق مستقبلي، وأن نجاح التفاوض سيتوقف على قدرة الطرفين على التوصل إلى تفاهمات واضحة وقابلة للتنفيذ بشأنها.

معضلة الثقة المتبادلة

ورغم وجود مؤشرات على استمرار الاتصالات الدبلوماسية، فإن أزمة الثقة ما تزال تشكل العقبة الأكبر أمام أي اختراق حقيقي.

فإيران تخشى أن يؤدي تقديم تنازلات واسعة إلى إضعاف موقعها التفاوضي أو تعريضها لضغوط إضافية مستقبلًا، بينما تصر الولايات المتحدة على ضرورة وجود ضمانات وآليات رقابة صارمة تحول دون استئناف الأنشطة النووية المتقدمة بشكل سريع.

وتعكس هذه المعضلة حجم التعقيد الذي يحيط بالمفاوضات، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية والأمنية دون تقديم تنازلات جوهرية.

الضغوط الإسرائيلية حاضرة بقوة

ولا يمكن فصل النقاشات الجارية داخل طهران عن الدور الإسرائيلي في الملف النووي الإيراني، إذ تواصل تل أبيب الضغط من أجل فرض قيود صارمة على البرنامج النووي، معتبرة أنه يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

ويعتقد محللون أن التهديدات الإسرائيلية المستمرة، إلى جانب التطورات العسكرية الأخيرة في المنطقة، دفعت صناع القرار الإيرانيين إلى إعادة تقييم الخيارات المتاحة، بما في ذلك إمكانية القبول بترتيبات مؤقتة تسمح بتخفيف التوتر وشراء الوقت.

أبعاد اقتصادية وسياسية

إلى جانب الاعتبارات الأمنية، تواجه إيران تحديات اقتصادية كبيرة تجعل التوصل إلى تفاهم مع الغرب خيارًا جذابًا بالنسبة لبعض دوائر صنع القرار.

فأي اتفاق يخفف العقوبات أو يفتح المجال أمام استعادة جزء من العلاقات الاقتصادية الدولية قد يمنح الاقتصاد الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس بعد سنوات من الضغوط والعقوبات.

كما أن نجاح المفاوضات قد ينعكس إيجابًا على الاستقرار الداخلي ويمنح القيادة الإيرانية هامشًا أوسع لمعالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.

بين التسوية والمواجهة

ومع استمرار المباحثات غير المباشرة والاتصالات الدبلوماسية، يبقى مستقبل البرنامج النووي الإيراني معلقًا بين خيارين رئيسيين: التوصل إلى تسوية مرحلية تقوم على التجميد والرقابة الدولية، أو العودة إلى دائرة التصعيد والمواجهة إذا تعثرت الجهود التفاوضية.

ويرى مراقبون أن الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد الاتجاه الذي ستسلكه الأزمة النووية، خاصة في ظل تداخلها مع ملفات إقليمية أخرى تشمل الأمن في الخليج والتوتر بين إيران وإسرائيل ومستقبل التوازنات السياسية في الشرق الأوسط.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن خيار التجميد المؤقت بات مطروحًا بجدية أكبر من أي وقت مضى، لكنه لا يزال بحاجة إلى توافقات صعبة قبل أن يتحول من فكرة متداولة داخل الغرف المغلقة إلى اتفاق قابل للتنفيذ على أرض الواقع.