الأربعاء 26 أغسطس 2026
booked.net

حدود الداخل: كيف توظف إدارة ترامب تشديد سياسة الهجرة لإعادة تعبئة الجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي؟

ترامب
ترامب

انتقل ملف الهجرة في الولايات المتحدة -خلال الأشهر الثلاثة الماضية- من التركيز التقليدي على ضبط الحدود وملاحقة المهاجرين غير النظاميين إلى بناء "منظومة إنفاذ أكثر شمولًا"، تمتد إلى المقيمين بصورة قانونية والطلاب والصحافيين وطالبي اللجوء والحماية المؤقتة. وقد وصل الزخم إلى ذروته خلال يوليو الماضي، بعدما رفضت المحكمة العليا في 30 يونيو الماضي، الأمر التنفيذي رقم 14160، الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب في يناير 2025؛ لتقييد منح الجنسية الأمريكية بالميلاد لأبناء غير الأمريكيين أو غير المقيمين بصورة دائمة؛ ما أسفر عن اعتراض الرئيس ترامب على القرار القضائي؛ معلنًا اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد ما وصفه بـــ "سياحة الولادة". وفي المقابل، ظهر ارتباك داخل الإدارة بشأن تعليق معظم نقاط تفتيش إدارة الهجرة والجمارك، عقب مقتل مهاجرين اثنين خلال عملياتها خلال الشهر ذاته؛ في الوقت الذي أفادت فيه تقارير بترحيل أكثر من 590 ألف شخص منذ يناير 2025 وحتى يوليو 2026.

والحقيقة أن هذا التشدد يرتبط باقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026، وتراجع دعم بعض القطاعات الجمهورية واليمينية لترامب؛ ما يفاقم التوتر بين الإدارة والقضاء، ويعقّد علاقتها بالولايات، ويجعل الهجرة أداة رئيسية للتعبئة والاستقطاب، وقضية مؤثرة في اتجاهات الناخبين ونتائج الانتخابات المقبلة.

دلالات التشدد: 

تكشف الإجراءات الأخيرة في الفترة ما بين مايو ويوليو 2026، أن تشدد إدارة ترامب لم يعد مقتصرًا على ضبط الحدود، بل تحول إلى منظومة مالية وأمنية وقانونية متكاملة؛ بموجبها توسعت سلطات الإنفاذ بهدف التضييق على أوضاع المهاجرين والأجانب، حتى المقيمين بصورة نظامية، وقد انعكس ذلك فيما يلي: 

1- توقيع قانون تأمين أمريكا: وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 10 يونيو الماضي، على قانون "تأمين أمريكا" (The Secure America Act)، والذي يضيف 70 مليار دولار لميزانية وزارة الأمن الداخلي، و"إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية" (ICE)، و"هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية" (CBP)؛ وذلك بهدف تمويل أمن الحدود وأنشطة الهجرة حتى عام 2029؛ ويهدف القانون إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية هي: دعم الحدود عبر توفير تمويل فوري وكامل لوزارة الأمن الداخلي ودوريات الحدود؛ وحملات الترحيل، وذلك من خلال ضمان تدفق الأموال اللازمة لتنفيذ خطط الإدارة في عمليات الترحيل وضبط المخالفين؛ وأخيرًا مكافحة الجريمة بواسطة الحد من تهريب المخدرات، وقمع شبكات الاتجار بالبشر، وتفكيك عصابات الجريمة المنظمة. 

2- التوسع في عمليات اعتقال المهاجرين: يُلاحظ أن إدارة الهجرة والجمارك (ICE) وهيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية؛ توسعتا بشكل غير مسبوق خلال الأشهر الثلاثة الماضية -من مايو إلى يوليو 2026- في عمليات اعتقال الأجانب؛ لدرجة أن عمليات الاعتقال التي نُفذت في شهر يونيو فقط تجاوزت 43 ألف حالة اعتقال؛ وهو الرقم الأعلى على الإطلاق منذ بدء الولاية الثانية للرئيس ترامب. وتشير التقديرات إلى أن زيادة هذا المعدل ترجع إلى قيام البيت الأبيض بفرض ضغوط على إدارة الهجرة والجمارك لترفع معدل الاعتقالات إلى 3 آلاف يوميًا. 

3- مقاومة القرارات والأحكام: على الرغم من إصدار وزارة الأمن الداخلي في 14 يوليو 2026، مذكرة تنص على وقف عمليات التفتيش المرورية في أعقاب عمليات تفتيش حديثة أسفرت عن مقتل رجلين أحدهما كولومبي والآخر مكسيكي خلال أسبوع واحد؛ فإن البيت الأبيض ألغى هذا القرار بعد 24 ساعة من صدروه، وقد صاحب ذلك تعليق من الرئيس ترامب على منصة "تروث سوشيال"، قال فيه إنه "يجب أن نكون أقوياء، حازمين، وأذكياء، ولا يمكننا التخلي عن إحدى أهم أدوات مكافحة الجريمة وأكثرها فعالية لدى إدارة الهجرة والجمارك، ألا وهي نقاط التفتيش المرورية! فإذا فعلنا ذلك؛ فإننا نخدم المجرمين مباشرة". وبالمثل، يُلاحظ أن الرئيس ترامب بدا مقاومًا لقرار المحكمة العليا بشأن إلغاء قراره التنفيذي الذي يهدف إلى إلغاء حق المواطنة بالولادة. وقد عبر عن استيائه؛ مطالبًا المحكمة بإعادة النظر في القضية فورًا، ومضيفًا أن القضاة سيُدمّرون الولايات المتحدة إذا لم يغيّروا قرارهم؛ وهو ما دفع وزير العدل الأمريكي بالإنابة تود بلانش لتأكيد أن الإدارة ستُشدد حملتها ضد سياحة الولادة عبر وضع إجراءات تستهدف الأجنبيات اللواتي يعتزمن الولادة في الولايات المتحدة.

4- عرقلة قانونية للأجانب والمهاجرين: منذ مايو الماضي، ظهرت العديد من المؤشرات، التي تعكس توجه الإدارة الأمريكية قانونيًا نحو التضييق على الأجانب والمهاجرين، وقد تمثلت هذه الإجراءات في التالي: 

- تضييق قانوني: تبنت المحاكم المختصة بالمهاجرين توجهات الإدارة الأمريكية؛ لتصبح مسهلًا لقرارات الترحيل، وليست جهة استماع وتحقيق؛ إذ تبين تسريع جلسات المحاكم وتقليص المهل الزمنية إلى الحد الأدنى؛ بمعنى جدولة عشرات القضايا للقاضي الواحد في اليوم الواحد، مع ملاحظة تضييقات على محامي المهاجرين عن طريق محاميي إدارة الهجرة والجمارك. 

- إلغاء صفة الحماية لبعض الجنسيات: أصدرت المحكمة العليا في 25 يونيو قرارًا بإمكانية إلغاء "صفة الحماية المؤقتة" لعدد من المجموعات المهاجرة من سوريا وهايتي؛ مما يتيح لإدارة ترامب تهجيرهم؛ وهو ما حدث مع مهاجري فنزويلا في وقت سابق من هذا العام. 

- المزيد من فرض الغرامات: أصدرت وزارة الأمن الداخلي في 23 يوليو، قرارًا بفرض غرامة على المهاجرين الصادر بحقهم قرار ترحيل؛ قدرها 998 دولارًا عن كل يوم إضافي في الولايات المتحدة بهدف زيادة تكلفة بقائهم في البلاد. 

- نزع المراجعة القانونية لضباط إنفاذ القانون: اتخذت الإدارة الأمريكية قرارًا في منتصف يوليو؛ بتوقف "مكتب التحقيقات الفدرالي" (FBI) عن التحقيق في الجرائم التي يرتكبها ضباط "إدارة الهجرة والجمارك" ضد المهاجرين؛ مما ينزع المراجعة القانونية لهذه الأفعال، وذلك بعد حادثتي مقتل اثنين من المهاجرين. 

- تقييد إقامة الصحافيين والطلاب: أصدرت الإدارة الأمريكية في منتصف يوليو، قرارًا بتعديل إقامة الصحافيين الأجانب؛ بحيث لا تتجاوز 240 يومًا؛ أي ما يناهز ثمانية أشهر، مع إمكان التقدم بطلبات لتمديد الإقامة لفترات مماثلة. فيما تم تعديل قاعدة بقاء الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة؛ بحيث يصبح هناك تاريخ محدد لانتهاء مدة الإقامة بدلًا من المدة المفتوحة التي كانت موجودة سابقًا، ووفقًا لهذا القرار لن يُسمح للرعايا الأجانب الحاصلين على "تأشيرة طالب" بالبقاء في الولايات المتحدة لأكثر من أربع سنوات. 

- تأكيد منع أي تدفقات من الحدود الجنوبية: أعلنت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية في 16 يوليو 2026، أن إدارة ترامب حققت 14 شهرًا من عدم السماح لأي مهاجر غير نظامي بالعبور من الحدود الجنوبية الغربية.

- وقف التأشيرات لبعثات دبلوماسية بإفريقيا: قامت وزارة الخارجية الأمريكية بإصدار قرار في 15 يوليو 2026؛ يقضي بوقف خدمات التأشيرات الروتينية في 25 بعثة دبلوماسية بإفريقيا وتحويلها إلى مراكز إقليمية، بدءًا من 1 أغسطس 2026؛ بهدف توحيد معايير الفحص الأمني، وخفض التكاليف، وتعزيز الكفاءة دون إغلاق السفارات أو المساس بالتأشيرات السارية. 

- إعادة العمل بقاعدة "العبء العام مع المهاجرين": وذلك من خلال توسيع تصنيفات الحالات التي يمكن أن تصبح عبئًا على الدولة حال حصولها الإقامة الدائمة، مع تقليص منافع عامة تشمل قسائم الطعام، وبرنامج "ميديكيد" (الذي يوفر تأمينًا صحيًا مجانيًا أو منخفض التكلفة للأشخاص ذوي الدخل والموارد المحدودة). وبموجب هذه القاعدة؛ يتعين على المتقدمين للحصول على البطاقات الخضراء إثبات أنهم لن يشكلوا عبئًا على البلاد أو "عبئًا عامًا".

حسابات التشدد: 

تتداخل العديد من العوامل في تحديد أسباب تحركات إدارة ترامب الآن، وإن كانت كل هذه العوامل ترتبط باقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر 2026، وحسابات القاعدة الانتخابية في الحزب الجمهوري وحركة «ماغا»، وفيما يلي أبرز الأسباب وراء مظاهر الإنفاذ المتشدد: 

1- تعبئة القاعدة الجمهورية انتخابيًا: تمثل الهجرة إحدى القضايا القليلة التي ما زالت تمنح ترامب تأييدًا قويًا داخل حزبه؛ ما يجعل التشدد فيها أداة لحشد الناخبين قبل انتخابات التجديد النصفي. فقد أظهر استطلاع حديث لـ "أسوشيتد برس–نورك"، نُشر في أول أغسطس 2026؛ أن نحو 80% من الجمهوريين يؤيدون إدارته للملف، رغم انخفاض التأييد الوطني إلى 39%. كما وجد "بيو" أن 28% من الجمهوريين يعتقدون أن الإدارة لا تفعل ما يكفي في عمليات الترحيل؛ لذلك، يتيح التصعيد لترامب استعادة تماسك قاعدته، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية الناجمة عن الحرب ضد إيران. وانعكاسًا لأولوية ملف الهجرة بالنسبة للحزب الجمهوري، يُلاحظ أن إنفاق الجمهوريين للترويج لتوجهات الحزب بخصوص ملف الهجرة؛ وصل إلى نحو 53 مليون دولار بين يناير ويونيو 2026، وذلك مقارنة بـ17 مليون دولار فقط للحزب الديمقراطي، والذي يرى أعضاؤه أنه ملف مهم، ولكن ليس من الأولويات.

2- تنفيذ الوعد الانتخابي وإظهار الحسم: كان تأمين الحدود وتنفيذ عمليات ترحيل واسعة من أبرز تعهدات ترامب في انتخابات 2024؛ ومن ثم تسعى الإدارة إلى إثبات قدرتها على تحويل الشعار الانتخابي إلى سياسة فعلية. وقد رصد "معهد سياسة الهجرة" (Migration Policy Institute) اتخاذ الإدارة 181 إجراءً متعلقًا بالهجرة خلال أول مئة يوم؛ أي نحو ستة أضعاف ما اتخذته في الفترة المقابلة من الولاية الأولى لترامب، مع إشراك الجيش والأجهزة الفدرالية والسلطات المحلية؛ ويعكس ذلك رغبة في تقديم الهجرة باعتبارها نموذجًا لسرعة التنفيذ والقطيعة مع إدارة بايدن. 

3- إرضاء حركة «ماغا»: يمثل تشديد سياسات الهجرة وسيلة للحفاظ على ولاء قاعدة «ماغا» داخل الحركة الترامبية؛ أو بعبارة أخرى، يتضاعف حرص إدارة ترامب على إرضاء الحركة عبر تشديد سياسات الهجرة، في محاولة لتعويض تصاعد انتقادات جناح داخل الحركة لانخراط واشنطن في الحرب ضد إيران، وما ترتب عليها من زيادة الإنفاق العسكري وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة داخل الولايات المتحدة، بما يتعارض مع تعهدات ترامب بإعطاء الأولوية للمشكلات الداخلية وتجنب الحروب الخارجية. 

4- تطبيق الحمائية الاقتصادية والاجتماعية: تنظر الإدارة إلى الهجرة ضمن فلسفة "أمريكا أولًا"، وتقول إن العمالة الأجنبية تضغط على أجور الأمريكيين وفرصهم، بينما يحمّل المهاجرون غير النظاميين المدارس والمستشفيات وبرامج المساعدات أعباءً إضافية؛ لذلك امتدت القيود إلى بعض برامج التأشيرات والمزايا والخدمات العامة، وليس إلى عبور الحدود فقط. غير أن هذا التبرير محل خلاف؛ إذ أظهر مركز "بيو" أن غالبية الناخبين يرون أن المهاجرين يشغلون غالبًا وظائف لا يرغب فيها المواطنون.

5- إعادة تعريف المواطنة والعقد الاجتماعي: لا تستهدف سياسة ترامب الهجرة غير النظامية وحدها؛ بل تسعى إلى إعادة صياغة شروط الانتماء إلى المجتمع الأمريكي، ويتضح ذلك في محاولة تقييد الجنسية بالميلاد لأبناء المهاجرين غير النظاميين، بل ولأبناء بعض المقيمين بصورة قانونية، ولكن مؤقتة، إلى جانب تقليص اللجوء وإعادة توطين اللاجئين وتشديد التدقيق على الطلاب وحاملي التأشيرات؛ ومن ثم يحمل التشدد بُعدًا أيديولوجيًا يهدف إلى جعل الجنسية والإقامة امتيازًا أكثر انتقائية، وإعادة تشكيل "العقد الاجتماعي" للمهاجرين.

التداعيات المحتملة: 

ثمة تداعيات محتملة تتراوح بين مكاسب أمنية وانتخابية قصيرة الأجل، وتكاليف سياسية واقتصادية ومؤسسية قد تظهر بصورة أكبر لاحقًا:

1- تأثير انتخابي مزدوج: قد يسهم التشدد في تعبئة القاعدة الجمهورية وحركة «ماغا»؛ إذ يؤيد نحو 80% من الجمهوريين أداء ترامب في ملف الهجرة؛ لكنه يحمل في المقابل مخاطرة بتنفير الناخبين المستقلين واللاتينيين؛ فقد أظهر مركز "بيو" أن 52% من الأمريكيين، و65% من ذوي الأصول اللاتينية؛ يرون أن الإدارة تبالغ في عمليات الترحيل؛ ومن ثم قد يفيد التشدد الجمهوريين في الدوائر المحافظة؛ لكنه يضعفهم في الولايات المتأرجحة والدوائر الحضرية والمتنوعة.

2- تصاعد الانقسام المؤسسي: يُرجح استمرار المواجهة بين الإدارة والمحاكم، بعدما عطّل القضاء عددًا من سياسات الهجرة. فقد أوقف قاضٍ في "رود آيلاند" تجميد طلبات الهجرة واللجوء لمواطني 39 دولة، فيما رفضت محكمة الاستئناف للدائرة التاسعة حرمان المهاجرين المحتجزين من فرصة طلب الإفراج بكفالة، بينما أيدت الدائرتان الخامسة والثامنة موقف الإدارة؛ مما يمهد لتدخل المحكمة العليا. كما أبطلت المحكمة العليا في 30 يونيو 2026، أمر ترامب المقيد للجنسية بالميلاد. وقد تدفع هذه العرقلة الإدارة إلى البحث عن ثغرات قانونية، وتسريع تمرير تشريعات داعمة عبر الكونغرس، والتوسع في استخدام السلطات التقديرية للموظفين التنفيذيين. 

3- اتساع محتمل لدور الكونغرس: ستتوقف قدرة الإدارة على ترسيخ سياساتها على نتيجة انتخابات التجديد النصفي. فإذا احتفظ الجمهوريون بأغلبيتهم؛ يمكنهم تحويل مزيد من الإجراءات التنفيذية إلى قوانين يصعب إلغاؤها لاحقًا، وتوسيع تمويل الاحتجاز والترحيل. أما إذا سيطر الديمقراطيون على أحد المجلسين؛ فمن المرجح تصاعد جلسات الرقابة والاستدعاءات والتحقيقات في ممارسات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، وغيرها من وكالات إنفاذ القانون. مع محاولة تقييد التمويل وفرض ضمانات قضائية على عمليات الاعتقال؛ وبذلك قد يتحول ملف الهجرة من نزاع بين البيت الأبيض والمحاكم إلى صراع شامل تشترك فيه السلطات الثلاث.

4- فرصة ديمقراطية مشروطة: تستطيع حملة الديمقراطيين ربط تشدد الهجرة بنمط أوسع من تجاوز السلطة التنفيذية للقانون والمحاكم؛ بحيث يُقدَّم الملف باعتباره قضية تتعلق بحكم القانون والحقوق الدستورية، وليس دفاعًا مطلقًا عن فتح الحدود. كما يمكنهم التركيز على الآثار الاقتصادية للترحيل ونقص العمالة وارتفاع الأسعار؛ ومع ذلك، سيظل تعاملهم حذرًا؛ لأن الهجرة تمثل نقطة قوة للجمهوريين، بينما تتقدم عليها لدى قطاعات من الناخبين قضايا تكاليف المعيشة والحرب ضد إيران؛ لذلك يمنح الملف الديمقراطيين فرصة لاستعادة بعض اللاتينيين والمستقلين؛ لكنه لا يضمن وحده الفوز في الانتخابات.

5- عدم اتساق التطبيق بين الولايات: تؤدي مقاومة الولايات الديمقراطية وتعاون الولايات الجمهورية إلى نشوء خريطة متباينة لإنفاذ الهجرة. فقد رفعت مجموعة تضم 24 مدعيًا عامًا وحاكمين دعوى ضد ربط منح الطوارئ والأمن الداخلي بالتعاون مع سياسات الهجرة الفدرالية. وفي المقابل، توسع برنامج 287(g) الذي يسمح بتفويض سلطات الهجرة إلى أجهزة إنفاذ القانون المحلية؛ ليصل إلى نحو 2،179 اتفاقية في 39 ولاية وإقليمين بحلول يوليو 2026، مقارنة بـ135 اتفاقية في يناير 2025؛ وينذر ذلك بتحول الهجرة إلى أحد محاور الاستقطاب الفدرالي، مع اختلاف الحقوق ومستويات الإنفاذ حسب الولاية.

6- تعمق الانقسام الجمهوري: حسب صحيفة واشنطن بوست، فإنه من المحتمل أن تتسع الفجوة بين حركة «ماغا»، المطالبة بترحيل جماعي دون استثناءات، والجناح الاقتصادي المرتبط بقطاعات الزراعة والبناء والضيافة والتكنولوجيا التي تعتمد على العمالة الأجنبية. وإذا اضطرت الإدارة إلى استثناء بعض القطاعات أو تخفيف المداهمات تحت ضغط الشركات، فقد يتهمها جناح «ماغا» بالتراجع عن وعودها. أما استمرار الإنفاذ الشامل، فقد يدفع أصحاب الأعمال والمانحين الجمهوريين إلى الضغط عليها؛ مما يحول الهجرة تدريجيًا من قضية موحدة للحزب إلى مصدر توتر داخلي.

7- انعكاسات اقتصادية وانتخابية: يمكن أن تؤدي عمليات الترحيل والخوف من المداهمات إلى نقص العمالة في الزراعة وأنشطة البناء والغذاء والضيافة والرعاية الصحية؛ ما يرفع تكاليف الإنتاج والإسكان والخدمات. وقد قدّر تحليل لـمعهد "بروكينغز" أن الارتفاع الحاد في عمليات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية داخل المدن ارتبط بخسارة نحو 668 ألف وظيفة، بينها وظائف لعمال أمريكيين، مع ترجيحات لنماذج اقتصادية تشير إلى أن عمليات الترحيل الجماعي بشكل مكثف قد تؤدي إلى تخفيض الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. 

8- تراجع الثقة والأمن المجتمعي: قد تدفع مخاوف الاعتقال المهاجرين والمقيمين الشرعيين وأفراد الأسر المختلطة قانونيًا إلى تجنب الشرطة والمدارس والمستشفيات والهيئات الحكومية. وتوصلت دراسة حديثة إلى أن الخوف من الترحيل يقلل استعداد المهاجرين لتقديم معلوماتهم إلى الشرطة والمؤسسات العامة. وقد يضعف ذلك الإبلاغ عن الجرائم والتعاون مع أجهزة الأمن؛ مما يخلق مفارقة تتمثل في أن الإجراءات التي تبررها الإدارة بحماية الأمن؛ قد تؤدي محليًا إلى تراجع الثقة في مؤسسات إنفاذ القانون.

9- إضعاف الجامعات والقوة الناعمة: يهدد تشديد تأشيرات الطلاب وتحديد مدد إقامتهم قدرة الجامعات الأمريكية على استقطاب الطلاب والباحثين. وقد انخفض عدد الطلاب الدوليين الجدد بنسبة 17% في خريف 2025، بالتزامن مع صعوبات التأشيرات وقيود السفر. ومن شأن استمرار هذا الاتجاه؛ تقليص الرسوم الدراسية والتمويل البحثي وإمدادات المواهب في مجالات العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى إضعاف صورة الولايات المتحدة كواجهة عالمية للتعليم والانفتاح.

تكشف سياسة الهجرة خلال الشهور الأخيرة أن إدارة ترامب لا تسعى فقط إلى زيادة أعداد المعتقلين والمرحلين، وإنما إلى ترسيخ بنية أمنية وقانونية ومالية تجعل التشدد سياسة طويلة الأمد يصعب التراجع عنها. وقد تحقق هذه المقاربة مكاسب قصيرة الأجل عبر خفض التدفقات غير النظامية وتعبئة الجمهوريين واستعادة تماسك حركة «ماغا»؛ لكنها تحمل في المقابل تكاليف متراكمة؛ تشمل تصاعد المواجهة مع القضاء والولايات الديمقراطية، واضطراب سوق العمل، وارتفاع تكاليف بعض السلع والخدمات، وتراجع الثقة في أجهزة إنفاذ القانون. وسيظل الأثر الانتخابي مزدوجًا؛ إذ يستفيد الجمهوريون من مركزية الهجرة لدى قاعدتهم، بينما يحصل الديمقراطيون على فرصة مشروطة لاستعادة المستقلين واللاتينيين؛ إذا نجحوا في ربط التشدد بتجاوز القانون وارتفاع تكاليف المعيشة، دون الظهور بموقف متساهل تجاه أمن الحدود.

وفي المستوى الأعمق، تعكس هذه السياسة تحول الحدود من خط جغرافي عند أطراف الدولة إلى منظومة رقابة وفرز تعمل داخل المجتمع نفسه؛ في المحاكم والمدارس والجامعات وأماكن العمل والمستشفيات وقواعد البيانات. وعندما تنتقل الحدود إلى الداخل، لا يعود السؤال مقتصرًا على مَن يحق له دخول الولايات المتحدة، بل يمتد إلى مَن يستحق البقاء، ومَن يملك حق الانتماء، ومَن يحدد قيمة المواطنة. وهنا تكمن المفارقة: فالدولة التي توسع قدرتها على الاستبعاد قد تبدو أكثر سيادة؛ لكنها قد تصبح أقل وفاءً للعقد الدستوري الذي تستمد منه شرعيتها؛ لذلك لن يُقاس مستقبل التجربة الأمريكية بعدد من جرى ترحيلهم فقط، بل بقدرتها على التوفيق بين حماية الحدود وحماية القانون، وبين حق الدولة في تنظيم العضوية وحق الإنسان في ألا يتحول وجوده إلى حالة دائمة من الخوف والاشتباه. 

*نقلًا عن مركز المستقبل للدراسات السياسية والاستراتيجية