التهدئة اللبنانية الإسرائيلية في مهب الريح.. هل انتهى وقف إطلاق النار قبل أن يبدأ؟
شهدت الساعات الأخيرة تحولات دراماتيكية متسارعة وضعت التفاهمات الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة بين إسرائيل ولبنان أمام اختبار هو الأصعب، وسط تساؤلات جدية في الأوساط السياسية والإعلامية عما إذا كانت هذه الجهود قد انهارت بالفعل قبل أن تدخل حيز التنفيذ الفعلي والمستدام.
اشتعال بري مكثف: قلعة الشقيف نموذجًا
السبب المباشر الذي يهدد مساعي وقف إطلاق النار هو اشتعال جبهة جنوب لبنان ميدانيًا بشكل غير مسبوق، مدفوعًا برغبة الطرفين في فرض معادلات القوة في الأمتار الأخيرة من المفاوضات:
التوغل الإسرائيلي شمال الليطاني: حاول الجيش الإسرائيلي تحقيق إنجازات برية ورمزية ضخمة، تمثلت في التوغل نحو قلعة الشقيف التاريخية وبلدة يحمر الشقيف ورفع العلم الإسرائيلي هناك، في محاولة لتثبيت نقاط ميدانية متقدمة تخدم شروطه الأمنية.
استراتيجية الاستنزاف لحزب الله: رد الحزب بسلسلة عمليات عنيفة ومكثفة مستخدمًا الصواريخ الموجهة والمسيرات الانقضاضية، مستهدفًا تجمعات الآليات ودبابات الميركافا في محيط القلعة، مما أدى إلى وقوع قتلى وجرحى في صفوف الاحتلال، وتحويل المنطقة إلى بؤرة استنزاف حقيقية أعاقت لوجستيات الجيش الإسرائيلي.
الكواليس الدبلوماسية: ضغوط ترامب وصيغة الـ 60 يومًا
رغم التراشق الناري العنيف، كشفت مصادر أمنية رفيعة أن الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب ومبعوثه ستيف ويتكوف، لم ترفع الراية البيضاء، بل تمارس ضغوطًا قصوى خلف الستار:
صيغة الهدنة المؤقتة: تتركز المباحثات الحالية على إقرار هدنة مؤقتة ووقف إطلاق نار تجريبي لمدة 60 يومًا لترسيخ مناطق أمنية عازلة واختبار مدى التزام الأطراف.
كبح جماح نتنياهو: كشفت تسريبات استخباراتية أن ترامب تحدث بنبرة حادة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وطالبه بـ تأجيل أو تهدئة بعض الضربات الجوية على بيروت لإعطاء فرصة للقنوات الخلفية للعمل، وهي الرغبة التي انصاعت لها تل أبيب تكتيكيًا.
العقدة الإقليمية: التداخل مع الملف الإيراني
أحد أكبر العوامل التي تجعل وقف إطلاق النار في لبنان يترنح هو ارتباطه الوثيق بالمسار التفاوضي الموازي بين واشنطن وطهران:
فصل المسارات: تحاول واشنطن فصل ملف التهدئة في لبنان عن الملف النووي الإيراني وتأمين مضيق هرمز لتبسيط الحلول، إلا أن طهران تعتبر جبهة لبنان ورقة قوة تفاوضية أساسية.
شروط ترامب والخطوط الحمراء: يصر ترامب على فرض شروط صارمة تشمل النقل الكامل لليورانيوم الإيراني عالي التخصيب والالتزام بفتح مضيق هرمز، محذرًا من أن أي استهداف أو مقتل لجنود أمريكيين من قِبل إيران أو فصائلها في المنطقة سينهي كل الدبلوماسية فورًا ويعيد إشعال الحرب الشاملة.
هل انهار الاتفاق؟
الإجابة الحالية هي "لا، لم ينتهِ تمامًا، لكنه يعيش مرحلة مخاض دموي خطيرة".
ما يحدث على الأرض في جنوب لبنان وحول قلعة الشقيف والغارات المتبادلة لا يعني بالضرورة فشل المسار الدبلوماسي، بل هو تطبيق كلاسيكي لسياسة "التفاوض تحت النار"؛ حيث يحاول كل طرف (إسرائيل وحزب الله ومن ورائهما إيران) رفع تكلفة الشروط على الطرف الآخر لضمان أكبر قدر من المكاسب قبل الإعلان المرتقب عن صيغة الـ 60 يومًا الاستكشافية. الساعات القادمة ستكون حاسمة: إما خضوع الأطراف لضغوط ترامب الصارمة، أو الانزلاق نحو حرب استنزاف برية أوسع تطيح بالاتفاق قبل ولادته
