شروط إسرائيل للانسحاب من جنوب لبنان تفتح أزمة تفاوضية.. فجوة متسعة مع بيروت و”حزب الله”
كشفت مصادر أمنية وسياسية في إسرائيل، عن ملامح الشروط التي تضعها تل أبيب لأي انسحاب محتمل من جنوب لبنان، في وقت تتصاعد فيه التوترات بين الجانبين، وتزداد فيه تعقيدات التوصل إلى تفاهم نهائي يضمن وقف التصعيد على الحدود الشمالية.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، فإن الوفد الإسرائيلي المفاوض في واشنطن طرح خمسة بنود أساسية يُراد إدراجها ضمن أي اتفاق لبناني مستقبلي، في إطار ما تصفه إسرائيل بأنه “ترتيبات أمنية ملزمة” تمنع تكرار المواجهات أو إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله.
فجوة تفاوضية تتسع
تشير التقارير إلى أن هذه الشروط خلقت فجوة كبيرة في المحادثات غير المباشرة بين الطرفين، في ظل رفض أو تحفظ لبناني على بعض البنود، واعتبارها مساسًا بالسيادة الوطنية أو إعادة صياغة لقواعد الاشتباك في الجنوب.
وترى مصادر سياسية في لبنان أن الطرح الإسرائيلي يتجاوز فكرة الانسحاب التقليدي، ويدخل في إطار إعادة تشكيل الوضع الأمني على الحدود بشكل دائم، وليس مؤقتًا.
“إنفاذ فعّال” بدل القرارات الدولية
تركز المقاربة الإسرائيلية الجديدة، وفق التقارير، على ما تسميه تل أبيب “آلية إنفاذ فعّال”، وهي صيغة تهدف إلى ضمان تطبيق أي اتفاق ميداني بشكل مستمر، ومنع تحول القرارات الدولية إلى مجرد نصوص غير مطبقة على الأرض.
وتستند هذه الرؤية إلى ما تصفه الدوائر الأمنية الإسرائيلية بـ”دروس الماضي”، خصوصًا في إشارة إلى فترات سابقة شهدت عودة تصعيد أو إعادة بناء قدرات عسكرية داخل جنوب لبنان رغم وجود ترتيبات وقف إطلاق نار أو قرارات دولية.
تقسيم المسؤوليات الأمنية
وفق المقترح الإسرائيلي، تقوم آلية الإنفاذ على توزيع الأدوار بين ثلاث جهات رئيسية:
قوة متعددة الجنسيات تتولى المراقبة الميدانية
الجيش اللبناني المسؤول عن ضبط الأمن الداخلي
وقدرة تدخل مستقلة للجيش الإسرائيلي في حال “خرق الاتفاق”
وترى إسرائيل أن هذا النموذج يمنحها قدرة ردع مستمرة، ويمنع ما تعتبره “فراغًا أمنيًا” قد تستفيد منه الجماعات المسلحة في الجنوب.
موقف حزب الله وبيروت
في المقابل، يرفض حزب الله أي صيغة تمنح إسرائيل حرية تدخل عسكري داخل الأراضي اللبنانية، ويعتبر أن ذلك يمس بالسيادة الوطنية ويكرّس واقعًا أمنيًا غير متوازن.
كما تبدي الحكومة اللبنانية تحفظات على بعض البنود المطروحة، خصوصًا تلك المتعلقة بآليات التنفيذ الميداني أو منح أطراف خارجية دورًا مباشرًا في فرض الأمن داخل الجنوب.
وتؤكد بيروت أن أي اتفاق يجب أن يستند إلى المرجعيات الدولية القائمة، وعلى رأسها قرارات الأمم المتحدة، مع الحفاظ على دور الجيش اللبناني كقوة وحيدة مسؤولة عن السيادة داخل الأراضي اللبنانية.
حسابات أمنية معقدة على الحدود
تأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التوتر على الحدود اللبنانية الإسرائيلية خلال الفترة الأخيرة، حيث شهدت المنطقة تبادلًا متقطعًا للنيران وعمليات عسكرية محدودة، ما زاد من المخاوف من توسع المواجهة.
وتعتبر إسرائيل أن وجود حزب الله العسكري في الجنوب يشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، فيما يرى الحزب أن وجوده مرتبط بما يعتبره “مقاومة للاحتلال والردع”.
واشنطن في قلب الوساطة
تلعب أمريكا دورًا محوريًا في محاولة تقريب وجهات النظر بين الجانبين، عبر قنوات دبلوماسية وأمنية، بهدف منع انزلاق الوضع إلى مواجهة شاملة.
لكن استمرار الخلاف حول آليات التنفيذ وطبيعة الضمانات الأمنية يعقد فرص التوصل إلى اتفاق قريب، رغم وجود رغبة دولية في احتواء التصعيد على الحدود الشمالية.
سيناريوهات مفتوحة
يرى مراقبون أن المفاوضات الحالية تعكس صراعًا أعمق حول شكل الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان، وليس فقط حول مسألة الانسحاب الإسرائيلي.
فبينما تسعى إسرائيل إلى ضمانات طويلة الأمد تمنع عودة التهديد العسكري، يتمسك الجانب اللبناني وحزب الله بصيغة تحافظ على السيادة وترفض أي وصاية أمنية خارجية.
ومع استمرار هذا التباين، تبقى احتمالات التوصل إلى اتفاق شامل رهينة بتوازن دقيق بين الضغوط العسكرية والدبلوماسية، في منطقة لا تزال واحدة من أكثر ساحات التوتر حساسية في الشرق الأوسط.
