المليونيات الجنوبية تحطم رهانات المشاريع الصغيرة وتؤكد التمسك بالاستقلال الناجز
شهدت ساحات الجنوب العربي في الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي حضورًا شعبيًا طاغيًا عكس التلاحم المصيري بين الشعب وقيادته السياسية المتمثلة في المجلس الانتقالي.
وقد تحولت الميادين من العاصمة عدن وصولًا إلى وادي حضرموت إلى لوحات نضالية أكدت أن إرادة الجنوبيين صخرة صلبة تتحطم عليها كافة المؤامرات الدنيئة والمشاريع.
إن هذا الاحتشاد المليوني لم يكن مجرد احتفال بذكرى وطنية، بل كان تجديدًا للتفويض الشعبي الكامل للواء عيدروس بن قاسم الزبيدي للمضي قدمًا نحو الاستقلال.
لقد بعثت الجماهير برسائل حاسمة لكل القوى المتربصة، مفادها أن محاولات تفريخ الكيانات الكرتونية الممولة من الخارج قد ولدت ميتة ولفظها الوعي الوطني المتجدد والمستنير.
ويقف الجنوب اليوم صفًا واحدًا خلف مشروعه الوطني الكبير، مجهضًا كل محاولات تمييع القضية أو تحويلها إلى ملفات حقوقية وإنسانية ثانوية ضمن تسويات سياسية منقوصة.
سقوط المشاريع الصغيرة
أثبت الحضور الشعبي المكثف أن قضية الجنوب العربي هي قضية سيادة ودولة وهوية، وليست مجرد مطالب مطلبية يمكن الالتفاف عليها بوعود واهية أو كيانات هشة.
إن الزخم الجماهيري غير المسبوق هو "الكلمة الفصل" التي أسقطت زيف الادعاءات التي تحاول تصوير الجنوب كساحة للصراعات البينية لتشتيت انتباه المجتمع الدولي عن الحق.
هذا التلاحم الوطني الفريد من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا قطع الطريق أمام كل محاولات تزوير الإرادة الوطنية عبر كيانات مصطنعة تفتقر للقاعدة الشعبية الحقيقية.
ويدرك الشعب الجنوبي تمامًا حجم التحديات والمخاطر، لذا نراه دائمًا سباقًا لتثبيت شرعيته في الميادين قبل الغرف المغلقة، مؤكدًا أن الاستقلال هو الخيار الوحيد الذي لا رجعة عنه.
إن المشاريع الغريبة عن التربة الجنوبية مصيرها الفناء والاندثار تحت أقدام الجماهير الثائرة التي بايعت قيادتها بعهد الصادقين، لترسم ملامح الدولة الفيدرالية القادمة بكل ثقة واقتدار.
تفويض الميادين للقيادة
تستمد قيادة اللواء عيدروس الزبيدي قوتها وشرعيتها من تفويض الميادين الصادق، وهو ما يمنحه الحق الكامل في اتخاذ التدابير السياسية والعسكرية اللازمة لحماية المكتسبات الوطنية المحققة.
إن هذا الالتفاف الشعبي العفوي والمنظم يمنح القيادة السياسية الجرأة اللازمة في اتخاذ القرارات المصيرية التي تفرضها مقتضيات المرحلة المعقدة وتحدياتها الإقليمية والدولية المتسارعة والمتقلبة.
ولا تتحرك القيادة السياسية من فراغ، بل تستند إلى جدار جماهيري عريض يحمي ظهرها ويمنحها الشرعية المطلقة في تمثيل تطلعات الشعب الجنوبي في كافة المحافل الدولية والسياسية.
مليونيات مايو أعادت رسم خارطة القوى الحقيقية على الأرض، وأكدت للعالم أجمع أن الشرعية الشعبية هي المصدر الوحيد والأساسي لكل السلطات والقرارات التي تخص مستقبل الجنوب.
وقد وضع الشعب ثقته المطلقة في ربان السفينة الرئيس الزبيدي، معتبرًا أن كل خطوة يتخذها هي تعبير أصيل عن إرادة الملايين التواقة للحرية والعيش الكريم والسيادة.
رسائل للمجتمع الدولي
العالم اليوم ملزم بالنظر بجدية ومسؤولية إلى هذا الطوفان البشري الجنوبي الذي يطالب بحقه القانوني والتاريخي في استعادة دولته المستقلة على حدود ما قبل عام تسعين.
إن تجاهل إرادة الملايين المحتشدة في الساحات لم يعد ممكنًا، خاصة وأن هذه الجماهير أثبتت انضباطها وتمسكها بالوسائل السلمية والنضالية لتحقيق أهدافها الوطنية السامية والمشروعة.
رسالة الجنوبيين واضحة وهي أن أي محاولة للالتفاف على تطلعاتهم أو تجاوز قضيتهم المركزية ستواجه بحزم شعبي لا يلين، وبموقف وطني موحد يرفض أنصاف الحلول والارتهان.
لقد بايع الجنوبيون قيادتهم بـ "عهد الرجال للرجال"، وهو ميثاق غليظ يربط القاعدة بالقمة في سبيل تحقيق الهدف الأسمى الذي ضحى من أجله آلاف الشهداء والجرحى.
ويؤكد هذا الحشد أن قضية الجنوب هي مفتاح السلام الدائم في المنطقة، وأن تجاوزها يعني استمرار الاضطرابات، بينما حلها العادل يضمن استقرار الممرات المائية والأمن الإقليمي الشامل.
مستقبل الدولة الجنوبية
يتطلع شعب الجنوب العربي اليوم إلى بناء دولة فيدرالية حديثة تحترم التنوع وتضمن الحقوق والحريات لكافة أبنائها، وتكون شريكًا فاعلًا في صياغة مستقبل المنطقة واستقرارها الاقتصادي.
إن النجاحات السياسية والعسكرية التي حققتها القيادة الجنوبية لم تكن لتتحقق لولا هذا السند الشعبي المتين الذي يرى في المجلس الانتقالي الممثل الشرعي والوحيد لتطلعاته الوطنية.
وستظل ذكرى إعلان عدن التاريخي نقطة تحول كبرى في تاريخ النضال الجنوبي المعاصر، حيث وضعت المداميك الأولى للمؤسسات الوطنية التي تحمي الأرض وتصون العرض والكرامة.
ويستمر النضال الجنوبي بروح متجددة وعزيمة لا تعرف المستحيل، متسلحًا بالوعي الشعبي الذي أفشل كافة رهانات الأعداء على شق الصف الوطني أو النيل من وحدة الهدف والمسار.
وفي الختام، يظل الحضور الشعبي هو الضمانة الحقيقية لاستمرار الثورة الجنوبية حتى تحقيق كامل الأهداف المنشودة فوق تراب الوطن المستقل، بعيدًا عن مشاريع التبعية والهيمنة والارتهان.
