الملف النووي الإيراني بعد الحروب.. ردع عبر الاقتصاد وتشدد في مسار التفتيش الدولي

متن نيوز

يعود الملف النووي لـإيران إلى واجهة الاهتمام الدولي مجددًا، بعد ما وُصف بسلسلة من الحروب المتتالية والضربات العسكرية التي طالت بنيتها التحتية المرتبطة بالأنشطة النووية.
ورغم هذه الضغوط، لا يزال البرنامج النووي قائمًا ضمن معادلة معقدة تجمع بين الردع العسكري، والحسابات الاقتصادية، والتوازنات الإقليمية.

وتشير تقديرات تحليلية نُسبت إلى الباحث محمد آية اللهي تبار ضمن إطار عمل مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، إلى أن طهران تتعامل مع هذه المرحلة بوصفها فرصة لإعادة تموضع استراتيجي، وليس مجرد أزمة أمنية. 

مضيق هرمز كأداة ردع اقتصادية
تطرح التقديرات أن أحد أهم عناصر الردع الإيرانية يتمثل في القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز.
فهذا الممر الحيوي يشكل شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة العالمية، وأي تهديد له ينعكس مباشرة على أسعار النفط واستقرار الأسواق الدولية.

وتفترض هذه الرؤية أن طهران قد تعتبر هذا النفوذ الاقتصادي ورقة ضغط استراتيجية، تمنحها هامشًا أوسع لإعادة تطوير برنامجها النووي بعيدًا عن تدخلات مباشرة أو قيود صارمة.

تشدد متزايد تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية
وفق التقييم ذاته، تتجه النقاشات الداخلية داخل النظام الإيراني نحو موقف أكثر تشددًا من التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ويُتوقع أن يتقلص مستوى وصول المفتشين الدوليين إلى المنشآت النووية مقارنة بما كان معمولًا به في إطار الاتفاق النووي السابق، المعروف بـ "خطة العمل الشاملة المشتركة".

هذا التوجه يعكس رغبة في تقليص الشفافية الفنية مقابل تعزيز السيطرة السيادية على البرنامج النووي، وهو ما قد يرفع مستوى التوتر مع المجتمع الدولي.

إعادة تعريف العلاقة مع المسار الدبلوماسي
تُظهر التقديرات أن القيادة الإيرانية تميل إلى إعادة صياغة موقفها من الدبلوماسية، بحيث تصبح أقل اعتمادًا على التفاهمات المباشرة، وأكثر انفتاحًا على إدارة الصراع من موقع القوة.
وفي هذا السياق، يبدو أن هناك حذرًا واضحًا من الدخول في محادثات ثنائية مباشرة مع الولايات المتحدة، رغم الإبقاء على احتمالات التواصل غير المباشر عبر وسطاء.

هذا التحول يعكس إدراكًا إيرانيًا بأن أي اتفاق جديد قد يكون أكثر تقييدًا من سابقه، في ظل تغير موازين القوى والضغوط الإقليمية والدولية.

مواجهة محسوبة مع واشنطن بدل التفاوض المباشر
تشير التقديرات إلى أن إيران قد تُفضّل خيار المواجهة المحدودة مع الولايات المتحدة على الدخول في مسار تفاوضي مباشر.
هذا الخيار لا يعني بالضرورة التصعيد الشامل، لكنه يعكس استعدادًا لإدارة التوتر ضمن مستويات محسوبة، تسمح بالحفاظ على أوراق الضغط دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

معادلة الردع بين النووي والاقتصاد
تقوم الاستراتيجية الإيرانية الحالية، وفق هذه القراءة، على ربط المسار النووي بالقدرة الاقتصادية الجيوسياسية، حيث يصبح التأثير في طرق التجارة العالمية جزءًا من معادلة الردع الشاملة.
وبهذا المعنى، لا يُنظر إلى البرنامج النووي بمعزل عن أدوات النفوذ الأخرى، بل كجزء من منظومة أوسع تشمل الطاقة، والممرات البحرية، والعلاقات الإقليمية.

إعادة تموضع استراتيجية داخل إيران
يعكس تطور الملف النووي الإيراني حالة إعادة تموضع استراتيجية داخل إيران، تقوم على الجمع بين التشدد في ملف التفتيش النووي، واستخدام النفوذ الجغرافي في مضيق هرمز كأداة ردع اقتصادي. وبينما تتراجع الثقة في المسار الدبلوماسي المباشر، تتجه طهران نحو إدارة أكثر حذرًا ومواجهة محسوبة مع القوى الغربية، في ظل بيئة دولية لا تزال مفتوحة على احتمالات التصعيد أو إعادة التفاوض.