ظلّ الإليزيه.. تحقيق يكشف شبكة عسكرية سابقة متهمة بتسريب أسرار ومحاولة الاتجار بالسلاح
كشفت صحيفة لوموند في تحقيق استقصائي عن قضية وُصفت بأنها تمسّ الأمن القومي في فرنسا، بعد الاشتباه في تورط شبكة تضم عسكريين وموظفين سابقين في قصر الإليزيه في أنشطة تتعلق بتسريب وثائق حساسة ومحاولة بيع أسلحة تحت غطاء أعمال "الاستخبارات الاقتصادية".
وتشير التحقيقات الأولية إلى أن ستة متهمين باتوا في قفص الاتهام، بينما لا يزال الملف مفتوحًا على احتمالات أوسع تتعلق بطبيعة الشبكة وامتداداتها.
ضابط سابق من قلب منظومة الإليزيه
تعود بداية القصة إلى داود ب.، ضابط سابق في الجيش الفرنسي يبلغ من العمر 34 عامًا، من أصول طاجيكية، خدم ضمن "الوحدة الخاصة للاتصالات بالإليزيه"، وهي وحدة حساسة تتولى إدارة الاتصالات المشفرة والتنسيق التقني للمكالمات الرئاسية في قصر الإليزيه.
وبحسب ما نقلته لوموند، فإن عمل هذه الوحدة يشمل الإشراف على المكالمات الهاتفية بين رئيس الجمهورية وقادة دول آخرين، إضافة إلى تجهيز الاجتماعات المرئية عالية الحساسية داخل القصر الرئاسي، بما في ذلك إدارة البنية التقنية للاتصال الآمن.
من الخدمة العسكرية إلى شركة “الاستخبارات الاقتصادية”
غادر داود ب. الخدمة العسكرية عام 2023، بعد فترة وصفت بأنها ارتبطت بالإرهاق والاكتئاب، إضافة إلى ظروف مالية صعبة، وهو أب لأربعة أطفال.
لاحقًا، شارك في تأسيس شركة باسم "أرشانج سوليوشنز أوسينت"، والتي أعلنت رسميًا أنها تعمل في مجال الاستخبارات الاقتصادية عبر تحليل البيانات المفتوحة المصدر وتقديم دراسات جيواستراتيجية للشركات والمؤسسات.
لكن التحقيقات تشير إلى أن النشاط الفعلي للشركة تجاوز هذا الإطار، ليتحول إلى عمليات أكثر حساسية تتعلق بجمع معلومات غير مشروعة وتسريب وثائق يُعتقد أنها سرية.
"الأميرال" وملامح هوية غامضة داخل الشبكة
من بين الشخصيات التي يسلط التحقيق الضوء عليها، شخص يُعرف نفسه بلقب "الأميرال" أو "فلاديمير"، ويتحدث اللغة الروسية بطلاقة، ومتزوج من مواطنة روسية.
ويُشتبه في أن هذا الشخص لعب دورًا محوريًا داخل الشبكة، خاصة في ما يتعلق بالاتصالات الخارجية والعلاقات العابرة للحدود، ما يضيف بعدًا دوليًا معقدًا للقضية، دون أن تتضح حتى الآن طبيعة ارتباطه الفعلي بالعمليات المزعومة.
بين الاستخبارات الاقتصادية وتسريب الأسرار
تحت الغطاء الرسمي المعلن للشركة، الذي يتمثل في تقديم تحليلات استراتيجية من مصادر مفتوحة، تكشف التحقيقات عن نشاط موازٍ أكثر خطورة.
ويشير الملف إلى احتمالات تتعلق بالوصول إلى معلومات حساسة تم جمعها أو تمريرها عبر قنوات غير قانونية، إضافة إلى محاولات يُشتبه بأنها مرتبطة ببيع معدات أو معلومات عسكرية.
هذا التداخل بين العمل الاستخباراتي المدني والنشاط غير المشروع يضع القضية في منطقة رمادية بين الاقتصاد، والأمن، والتجسس.
أبعاد أمنية تمسّ الدولة الفرنسية
ما يجعل القضية أكثر حساسية هو أن بعض المتهمين عملوا سابقًا في مواقع شديدة القرب من دوائر القرار داخل الدولة، خصوصًا في بيئة الإليزيه.
وهذا يثير تساؤلات حول مدى قوة أنظمة الرقابة الداخلية بعد مغادرة الموظفين الحساسين، وإمكانية استغلال الخبرات التقنية والعلاقات السابقة في أنشطة خارج الإطار القانوني.
تحقيق مفتوح واحتمالات تتوسع
حتى الآن، لا يزال التحقيق مستمرًا، مع عدم استبعاد وجود امتدادات دولية أو شبكات دعم خارجية.
وتشير لوموند إلى أن السلطات تتابع خيوطًا متعددة، في ظل تعقيد طبيعة الأدلة وتشابك المسارات التقنية والمالية للقضية.
هشاشة محتملة
تكشف القضية التي فجّرتها التحقيقات في فرنسا عن هشاشة محتملة في إدارة المعرفة الحساسة داخل مؤسسات الدولة، خصوصًا عندما ينتقل أفراد ذوو خبرة في دوائر سيادية إلى القطاع الخاص. وبينما تتواصل التحقيقات، تبقى الأسئلة مفتوحة حول حجم الاختراق المحتمل، وحدود ما تم تسريبه، وما إذا كانت هذه الشبكة حالة فردية أم جزءًا من نمط أوسع من استغلال الخبرات الاستخباراتية خارج الأطر الرسمية.
