سباق التكنولوجيا في الميدان.. كيف تحاول إسرائيل احتواء تهديد المسيّرات الذكية لدى حزب الله؟
تكشف التطورات الميدانية الأخيرة عن دخول المواجهة بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز سباق الابتكار العسكري والتكيف السريع مع أدوات قتال منخفضة الكلفة وعالية التأثير. وفي هذا السياق، برزت المسيّرات التي تعمل عبر الألياف الضوئية كأحد أبرز التحديات التي أربكت الحسابات الإسرائيلية خلال الفترة الماضية.
هذه المسيّرات، التي استُلهم استخدامها من تجارب ميدانية في الحرب في أوكرانيا، تتميز بقدرتها على تفادي وسائل التشويش التقليدية، نظرًا لاعتمادها على اتصال سلكي مباشر بدل البث اللاسلكي. وهو ما يجعل رصدها أو تعطيلها أكثر تعقيدًا، خاصة في بيئات قتالية متحركة وغير مستقرة مثل جنوب لبنان.
أمام هذا التحدي، اتجه الجيش الإسرائيلي إلى تطوير مقاربة متعددة المستويات لمواجهة هذا النوع من التهديدات. وتشمل هذه المقاربة ثلاثة محاور رئيسية: الكشف والإنذار المبكر، التشويش والإرباك، وأخيرًا الاعتراض المباشر.
في مجال الكشف، لجأت القوات الإسرائيلية إلى استخدام رادارات متنقلة خفيفة الوزن، من بينها رادارات صوتية قادرة على التقاط الذبذبات أو الأصوات الناتجة عن اقتراب المسيّرات. كما يجري العمل على إدخال وسائل بصرية متقدمة تمنح الجنود ثوانٍ حاسمة للاستعداد قبل وصول التهديد، وهو عامل قد يكون فارقًا بين النجاة والخسارة في ميدان سريع التغير.
أما على مستوى التشويش، فرغم محدودية فعاليته أمام المسيّرات المرتبطة بالألياف الضوئية، تسعى إسرائيل إلى نشر أنظمة قادرة على إرباك المسارات أو تعطيل بعض الوظائف الثانوية، إضافة إلى استخدام وسائل مادية مثل شبكات دفاعية تُنشر فوق المواقع العسكرية لاعتراض المسيّرات قبل وصولها إلى أهدافها.
وفي ما يتعلق بالاعتراض، تتجه المؤسسة العسكرية إلى حلول غير تقليدية، من بينها تزويد القوات ببنادق صيد وأدوات تصويب بصري متقدمة، مثل منظار "الخنجر"، الذي يُثبت على الأسلحة الفردية لزيادة دقة الإصابة. وتعكس هذه الخطوة إدراكًا بأن مواجهة تهديدات صغيرة وسريعة قد تتطلب أحيانًا أدوات بسيطة لكنها فعالة في المسافات القريبة.
إلى جانب ذلك، يجري العمل على تقنيات تمويه ميداني، مثل استخدام مواد كيميائية خاصة تُعرف بـ "الطلاء الأحمر"، تهدف إلى تقليل قابلية اكتشاف القوات أو استهدافها من قبل المسيّرات، في محاولة لتقليص فرص الإصابة بدل الاكتفاء بإسقاط التهديد.
ورغم هذا التنوع في الحلول، تُجمع التقديرات داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية على أن هذه الإجراءات لا تزال مؤقتة وذات طابع تكتيكي، ولا ترقى إلى مستوى حل جذري للمشكلة. فالتحدي الذي تفرضه المسيّرات المرتبطة بالألياف الضوئية يعكس تحولًا أعمق في طبيعة الحروب الحديثة، حيث باتت الأنظمة البسيطة والرخيصة قادرة على إرباك جيوش متقدمة تكنولوجيًا.
في ضوء ذلك، وجّهت المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية نداءً إلى شركات الصناعات العسكرية لتسريع تطوير حلول مبتكرة، قادرة على التعامل مع هذا النوع من التهديدات بشكل أكثر فعالية واستدامة. ويشير هذا التوجه إلى أن ساحة المواجهة لم تعد تُحسم فقط بالقوة النارية، بل بقدرة كل طرف على التكيف السريع مع أدوات الحرب الجديدة.
في المحصلة، تعكس هذه التطورات واقعًا ميدانيًا متغيرًا، حيث لم تعد الهيمنة العسكرية التقليدية كافية لضمان التفوق، بل باتت مرهونة بالمرونة التكنولوجية والقدرة على استباق تكتيكات الخصم، في حرب تتداخل فيها البساطة مع التعقيد بشكل غير مسبوق.
