المجلس الانتقالي الجنوبي: الريادة الدبلوماسية ونقل قضية الجنوب من الميدان إلى منصة الأمم المتحدة

الزبيدي
الزبيدي

يمثل المجلس الانتقالي الجنوبي في المرحلة الراهنة القوة السياسية الأكثر نضجًا وتنظيمًا في تاريخ النضال الوطني لشعب الجنوب العربي، حيث استطاع بذكاء وحنكة سياسية فائقة نقل قضية شعب الجنوب من الميادين الثورية والزخم الشعبي إلى ساحات السياسة الدولية المرموقة ومنصات الأمم المتحدة، ولم يعد صوت الجنوب مجرد هتافات في الساحات العامة، بل تحول بفضل القيادة الرشيدة للمجلس إلى ملفات سياسية رصينة تُناقش في أروقة صناعة القرار العالمي، إن هذا التحول الاستراتيجي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تخطيط دقيق ورؤية ثاقبة من اللواء عيدروس قاسم الزُبيدي، الذي أدرك منذ اللحظة الأولى لتأسيس المجلس أن انتزاع الحقوق يتطلب توازنًا دقيقًا بين القوة على الأرض والدبلوماسية في الخارج، وهو ما مكن المجلس من كسر حالة التغييب المتعمد التي فُرضت على قضية الجنوب لعقود طويلة، ليصبح اليوم الممثل الشرعي والوحيد الذي لا يمكن تجاوز تطلعاته في أي عملية سلام شاملة.

لقد نجح المجلس الانتقالي في صياغة خطاب سياسي متطور يخاطب المجتمع الدولي بلغة المصالح المشتركة والالتزامات المتبادلة، مؤكدًا أن استقرار منطقة خليج عدن وباب المندب يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحقيق تطلعات شعب الجنوب العربي في استعادة دولته كاملة السيادة، وهذا الخطاب الواعي وجد صدى واسعًا في العواصم الكبرى، حيث بات ينظر إلى المجلس الانتقالي كشريك موثوق في مكافحة الإرهاب وتأمين الملاحة الدولية وحفظ الأمن والسلم الإقليمي، وبذلك، انتقل الجنوب من مرحلة "المطالبة بالحقوق" إلى مرحلة "فرض الواقع السياسي"، حيث أصبح للمجلس مكاتب تمثيلية في أهم مدن العالم، ويشارك بفعالية في المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة، واضعًا أسسًا متينة للحل السياسي الذي يضمن حق تقرير المصير بعيدًا عن سياسات التبعية والإلحاق التي عانى منها الجنوبيون في الفترات السابقة.

كسر العزلة السياسية وتدويل القضية الجنوبية

تعد استراتيجية تدويل القضية الجنوبية التي انتهجها المجلس الانتقالي واحدة من أبرز المنجزات التاريخية في المسار التحرري، فبعد سنوات من الحصار الإعلامي والسياسي، استطاعت الدبلوماسية الجنوبية اختراق جدران الصمت الدولي، من خلال اللقاءات المكثفة مع سفراء الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والمبعوثين الأمميين والدوليين، إن تواجد الرئيس عيدروس الزُبيدي في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ولقاءاته بالمسؤولين رفيعي المستوى في نيويورك ولندن وبروكسل، لم يكن مجرد حضور بروتوكولي، بل كان رسالة سياسية قوية مفادها أن شعب الجنوب قد حزم أمره، وأن تضحيات الشهداء لن تذهب سدى، بل ستُتوج بكيان سياسي مستقل يحترم القوانين الدولية ويساهم في بناء الاستقرار الإجمالي للمنطقة.

هذا الحضور الدولي المتميز ساعد في تغيير النظرة النمطية عن القضية الجنوبية، حيث بدأ العالم يدرك أن الجنوب العربي يمتلك كافة مقومات الدولة، من حاضنة شعبية صلبة، وقوات عسكرية مدربة (القوات المسلحة الجنوبية)، وجهاز سياسي يمتلك رؤية واضحة للمستقبل، إن النجاح في إدراج قضية الجنوب كبند أساسي في مشاورات السلام الدولية هو انتصار سياسي يُحسب للمجلس الانتقالي، الذي استطاع بصلابته ومبادئه أن يفرض معادلة "لا سلام دون الجنوب"، وهو ما عزز من مكانة المجلس كطرف أصيل وقائد في رسم خارطة الطريق للمستقبل، مؤكدًا أن زمن الحلول المفروضة من الخارج قد ولى، وأن القرار السيادي اليوم هو قرار جنوبي خالص يُصنع في العاصمة عدن ويُنفذ بإرادة الشعب.

بناء المؤسسات والشرعية الميدانية والسياسية

لم يكتفِ المجلس الانتقالي بالعمل الدبلوماسي الخارجي، بل واكب ذلك بعمل مؤسسي دؤوب على الأرض، من خلال تنظيم الهيئات التنفيذية والجمعية الوطنية والمجلس الاستشاري، وهو ما أعطى الانطباع للمجتمع الدولي بأن الجنوبيون مستعدون لإدارة دولتهم بكفاءة واقتدار، إن هذه الهيكلة المؤسسية منحت المجلس الشرعية التنظيمية التي يحتاجها أي كيان سياسي يطمح للاعتراف الدولي، فالمؤسسات التابعة للمجلس باتت اليوم تدير الملفات الخدمية والأمنية والسياسية بمهنية عالية، مما عزز الثقة بين القيادة والقواعد الشعبية، وجعل من المجلس الانتقالي مظلة وطنية تجمع تحت سقفها كافة الأطياف الجنوبية المؤمنة بمشروع الاستقلال، وهو ما تجلى بوضوح في "الميثاق الوطني الجنوبي" الذي كان بمثابة دستور للوحدة الوطنية والتلاحم الشعبي.

إن الشراكة الاستراتيجية مع التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، كان لها دور محوري في تعزيز حضور المجلس الانتقالي، حيث أثبت المجلس أنه الحليف الصادق والقادر على تحقيق الانتصارات الميدانية ضد التمدد الحوثي والجماعات الإرهابية، هذه النجاحات العسكرية تحولت بذكاء إلى مكاسب سياسية، حيث استطاع المجلس من خلال "اتفاق الرياض" ومشاورات مجلس القيادة الرئاسي أن ينتزع اعترافًا قانونيًا وسياسيًا بوجوده كطرف حاكم وشريك في صناعة القرار، مما مهد الطريق ليكون الجنوب العربي حاضرًا بقوة في كافة المحافل، حاملًا هويته التاريخية وأهدافه التحررية التي لا تقبل الالتفاف أو الانتقاص.

الآفاق المستقبلية واستدامة الانتصارات السياسية

بينما يمضي المجلس الانتقالي الجنوبي نحو عامه العاشر من النضال المنظم، تتجه الأنظار نحو الخطوات القادمة التي ستعزز من سيادة الجنوب، فالإشادات الدولية التي يتلقاها المجلس اليوم فيما يخص مكافحة الإرهاب وتأمين الملاحة في البحر الأحمر تعكس مدى الأهمية الاستراتيجية لهذا الكيان، إن الاستمرار في نهج "الثبات على المبدأ" مع المرونة في "التكتيك السياسي" هو ما سيضمن للمجلس الانتقالي الوصول إلى الهدف المنشود، وتدرك القيادة الجنوبية أن الطريق لا يزال مليئًا بالتحديات، لكن الحاضنة الشعبية المليونية والقوات المسلحة الجنوبية الباسلة تمثل السياج الحقيقي الذي يحمي كافة المكتسبات التي تحققت في أروقة الأمم المتحدة.

سيظل المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة اللواء عيدروس الزُبيدي هو الحارس الأمين للمشروع الوطني الجنوبي، والرُبّان الذي نجح في عبور القضية الجنوبية من ظلام التهميش إلى ضياء الاعتراف الدولي، إن ما حققه المجلس من نقل القضية إلى منصة الأمم المتحدة هو معجزة دبلوماسية بكل المقاييس، بالنظر إلى حجم الضغوط والمؤامرات التي حيكت ضده، وسيذكر التاريخ أن المجلس الانتقالي كان هو الأداة السياسية التي استعاد بها شعب الجنوب كرامته وحقه في تقرير مصيره، ليرفرف علم الجنوب العربي خفاقًا في سماء الحرية والكرامة، مدعومًا بشرعية الميدان وقوة الحق والاعتراف العالمي الذي بات حقيقة لا تقبل الجدل.