الانتقالي الجنوبي والحارس الأمين: استراتيجية الثبات على المبدأ في مواجهة الضغوط السياسية

الانتقالي الجنوبي
الانتقالي الجنوبي

يعبر المجلس الانتقالي الجنوبي في المرحلة الراهنة عن الحالة السياسية الأكثر نضجًا ومفصلية في تاريخ النضال التحرري الجنوبي الطويل، حيث لم يكن إعلان عدن التاريخي مجرد رد فعل عاطفي على سياسات التهميش أو الإقصاء الممنهج التي عانى منها الجنوب لعقود، بل كان إعلانًا سياسيًا واستراتيجيًا عن ميلاد "المركزية السياسية والقيادية" التي افتقدها الجنوب منذ سنوات طويلة.

 ونجح المجلس في تحويل الحراك الشعبي من زخم ثوري عاطفي مشتت إلى مؤسسة سياسية وعسكرية متكاملة تمتلك الأنياب والشرعية القانونية لتمثيل تطلعات الشعب في كافة المحافل الدولية والإقليمية، مؤكدًا أن زمن التشتت قد ولى وأن للجنوب اليوم صوتًا واحدًا وجسدًا منظمًا لا يمكن تجاوزه في أي تسويات سياسية قادمة.

لقد كان التفويض الشعبي المليوني الذي مُنح للقائد عيدروس قاسم الزُبيدي في ساحات العاصمة عدن بمثابة حجر الزاوية في بناء هذه الشرعية، فهو لم يكن مجرد صك سياسي عابر أو تفويض مؤقت، بل هو "بيعة وطنية" كبرى نابعة من إيمان الجماهير العميق بقدرة هذا القائد على قيادة السفينة الجنوبية وسط أمواج المؤامرات الدولية والمتغيرات المتلاحقة، وهذا التفويض التاريخي جعل من اللواء الزُبيدي ومن المجلس الانتقالي المعبر الحقيقي والوحيد عن إرادة الجنوبيين من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا، حيث استطاع المجلس بذكاء سياسي حاد نقل قضية الجنوب من رصيف الشارع وميادين التظاهر إلى أروقة صناعة القرار العالمي في الأمم المتحدة والعواصم الكبرى، واضعًا حدًا نهائيًا لزمن الوصاية على القرار الجنوبي.

خارطة الطريق: الثوابت الوطنية ومسار استعادة الدولة

رسم المجلس الانتقالي الجنوبي منذ لحظة تأسيسه خارطة طريق واضحة المعالم لا تقبل التأويل أو الالتفاف، وهي استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة على حدود ما قبل الحادي والعشرين من مايو عام 1990، وهذا المسار الاستراتيجي يرتكز على عدة ثوابت وطنية راسخة، يأتي في مقدمتها الثبات على المبدأ عبر التأكيد المستمر في كل المحافل على أن قضية الجنوب ليست قضية مطلبية تتعلق بوظائف أو حقوق معيشية فقط، بل هي قضية وطن هُويته مستهدفة وشعب تطلعاته مشروعة ودولة تعرضت لاحتلال غاشم سعى لتدمير مقوماتها، ومن هنا يرفض المجلس أي حلول منقوصة لا تلبي تطلعات الشعب في الاستقلال والسيادة.

كما اهتم المجلس بشكل موازٍ بمحور بناء المؤسسات الوطنية، من خلال العمل الدؤوب على تشكيل هيكل إداري وتنظيمي واسع يغطي كافة محافظات الجنوب، والأهم من ذلك بناء القوات المسلحة الجنوبية والأجهزة الأمنية التي باتت اليوم القوة الضاربة التي تحمي المكتسبات الوطنية وتكافح الإرهاب، إن هذه القوات ليست مجرد تشكيلات عسكرية، بل هي النواة الصلبة للدولة القادمة والضمانة الحقيقية لمنع الفوضى وحماية الحدود، ويُضاف إلى ذلك محور التلاحم الوطني الذي تجلى في أرقى صوره عبر "الميثاق الوطني الجنوبي"، الذي عزز وحدة الصف وضمن أن تكون الدولة القادمة دولة فيدرالية ديمقراطية تتسع لكل أبنائها دون استثناء أو تمييز، مؤصلةً لمبدأ الشراكة الوطنية الحقيقية.

جدار الصمود في مواجهة الضغوط والتحديات

تدرك قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي حجم التحديات والمؤامرات التي تُحاك في الغرف المغلقة لإرباك المشهد أو ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية على شعب الجنوب لثنيه عن أهدافه، إلا أن كافة هذه المحاولات، سواء كانت عبر حرب الخدمات أو التلاعب بالعملة أو التحريض الإعلامي، لن تجدي نفعًا أمام جدار الصمود الذي شيده الشعب خلف قيادته، فالتراجع عن مسار الاستقلال ليس خيارًا مطروحًا على طاولة القيادة في عدن، ولا هو موجود في وجدان المواطن الجنوبي الذي قدم قوافل طويلة من الشهداء والجرحى في سبيل هذا الهدف السامي، إن الصمود الأسطوري للجماهير هو الوقود الذي يمنح القيادة السياسية القدرة على المناورة والثبات في غرف التفاوض.

إن الإصرار الجنوبي اليوم، المدعوم بقوات عسكرية ضاربة مدربة حاضرة في كافة الجبهات، وحاضنة شعبية صلبة لا تلين، يوجه رسالة واضحة وصريحة لكل القوى المتربصة واللاعبين الإقليميين والدوليين، مفادها أن قرار الجنوب اليوم بات بيد أبنائه وحدهم، وأن أي محاولة لتجاوز تطلعات هذا الشعب أو القفز على تضحياته ستتحطم حتمًا على صخرة إرادته الحرة، إن زمن الصفقات التي تُعقد على حساب القضية الجنوبية قد انتهى، والمجلس الانتقالي اليوم هو الرقم الصعب في المعادلة الذي يمتلك القدرة على فرض الواقع على الأرض وحمايته بالشرعية الشعبية والقانونية التي يمتلكها.

المجلس الانتقالي والضمانة الوحيدة نحو فجر الاستقلال

ويظل المجلس الانتقالي الجنوبي، برئاسة القائد عيدروس الزُبيدي، هو الحارس الأمين للمشروع الوطني الجنوبي والضمانة السياسية الوحيدة التي تمضي بالشعب نحو فجر الاستقلال المنشود، بصلابة لا تلين وعزيمة صلبة لا تعرف المستحيل، إن الرؤية التي يمتلكها المجلس تجمع بين الحنكة الدبلوماسية في التعامل مع المجتمع الدولي وبين الصرامة الميدانية في حماية المكتسبات، وهذا التوازن هو ما جعل القضية الجنوبية اليوم تعيش أزهى عصور حضورها السياسي، حيث بات العالم يدرك أن الاستقرار في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم مرتبط بشكل عضوي بتحقيق تطلعات شعب الجنوب العادلة.

في الختام، إن مسيرة المجلس الانتقالي هي مسيرة شعب وقصة كفاح لانتزاع حق مسلوب، وستستمر هذه القافلة في السير بخطى واثقة نحو الهدف الأسمى، مستمدة قوتها من عدالة القضية وتلاحم القيادة مع الشعب، إن الغاية النهائية واضحة والهدف مرسوم، ولن يهدأ للمجلس بال أو تستقر له قدم حتى يرفرف علم الجنوب خفاقًا فوق كل شبر من تراب الأرض الطاهرة، معلنًا بداية عهد جديد من الحرية والكرامة والازدهار لجنوبٍ عربي فيدرالي مستقل، يشارك في صنع السلام العالمي ويحمي ممرات الملاحة الدولية ويصون كرامة أجياله القادمة.