زيت الطهي عبر الحدود.. “تجارة البقاء” تكشف عمق الأزمة في إيران
على الحدود بين تركيا وإيران، وتحديدًا عند معبر كابيكوي قرب مدينة فان، يتكرر يوميًا مشهد يعكس بوضوح حجم الضغوط الاقتصادية التي يعيشها الإيرانيون، حيث يتحول مئات المواطنين إلى تجار صغار بحثًا عن لقمة العيش.
فالمعبر، الذي كان في السابق نقطة عبور عادية، أصبح بمثابة شريان حياة غير رسمي، إذ يعبره الإيرانيون مشيًا لشراء سلع أساسية، وعلى رأسها زيت الطهي، ثم العودة بها لإعادة بيعها داخل بلادهم بهامش ربح بسيط.
وبحسب تقرير نشرته نيويورك تايمز، تحولت هذه التجارة المحدودة إلى وسيلة بقاء للكثيرين في ظل تضخم متسارع وتراجع القدرة الشرائية، حيث يصطف المشترون في الأسواق الحدودية لشراء الزيت بكميات صغيرة، مع متابعة مستمرة لتقلبات الأسعار والتطورات السياسية.
وتعكس قصص المتعاملين في هذه التجارة حجم المعاناة اليومية، إذ تؤكد “مريم” أنها وزوجها لجآ إلى هذا النشاط بعد فقدان مصادر دخلهما، حيث يحققان ربحًا لا يتجاوز دولارين للعبوة الواحدة، لكن تكرار العملية يوميًا يوفر دخلًا بالكاد يغطي الاحتياجات الأساسية.
ولا تختلف معاناة آخرين مثل “بيبيجان”، التي تشير إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار الغذاء داخل إيران، خاصة الدواجن، بينما يؤكد زوجان شابان فقدا عملهما في قطاع الملابس أن استمرار الأزمة قد يدفع البعض إلى خيارات قاسية لتأمين الغذاء.
وتعكس هذه الظاهرة أزمة أعمق في الاقتصاد الإيراني، حيث تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن معدل التضخم يقترب من 70%، في وقت لا يتجاوز فيه الحد الأدنى للأجور نحو 108 دولارات شهريًا، ما يخلق فجوة حادة بين الدخل وتكاليف المعيشة.
وزادت الضغوط بعد قرارات حكومية برفع الدعم عن بعض السلع الأساسية، بينها زيت الطهي، وهي خطوة بررها الرئيس مسعود بيزشكيان بمحاولة الحد من نفوذ شبكات الاحتكار، لكنها أدت إلى ارتفاع الأسعار واختفاء بعض المنتجات من الأسواق.
ورغم تقديم دعم نقدي محدود، فإن تأثيره يبقى ضعيفًا أمام موجة الغلاء، خاصة مع استمرار عوامل أخرى مثل القيود على الإنترنت، وإغلاق المجال الجوي لفترات، وتداعيات التوترات الإقليمية التي أثرت على الإنتاج وسلاسل الإمداد.
في المحصلة، لم تعد تجارة زيت الطهي مجرد نشاط بسيط، بل أصبحت مؤشرًا حيًا على تحولات أعمق داخل المجتمع الإيراني، حيث يبتكر الأفراد حلولًا يومية للبقاء في مواجهة اقتصاد يزداد تعقيدًا وضغوطًا.
