النفط يقترب من 100 دولار.. قلق المستثمرين يتصاعد رغم اتفاق وقف إطلاق النار

ارتفاع أسعار النفط
ارتفاع أسعار النفط اليوم

قفزت أسعار النفط العالمية بشكل ملحوظ خلال تعاملات اليوم الخميس، مدفوعة بموجة من المخاوف المتزايدة لدى المستثمرين حيال استقرار إمدادات الطاقة العالمية في ظل الغموض الذي يكتنف مصير الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي، فبالرغم من الإعلان عن وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، إلا أن الأسواق استقبلت هذا الاتفاق بحذر شديد، حيث يرى المحللون أن هذه الهدنة "هشة" ولا تضمن العودة السريعة للتدفقات النفطية الطبيعية، وبحلول الساعة 12:56 بتوقيت أبوظبي، صعدت العقود الآجلة لخام برنت القياسي بمقدار 3.69 دولار، أي ما يعادل ارتفاعًا بنسبة 3.9%، ليصل سعر البرميل إلى 98.44 دولار، وفي الوقت ذاته، سجل خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي زيادة قدرها 3.47 دولار أو 3.7%، ليصل إلى مستويات 97.88 دولار للبرميل، وهذا الارتداد القوي يأتي بعد جلسة سابقة شهدت تراجع الخامين دون مستوى 100 دولار، حينما كانت التوقعات متفائلة بإعادة فتح الممر المائي فورًا، لكن الواقع الميداني والتهديدات العسكرية المستمرة أعادت "علاوة المخاطر الجيوسياسية" إلى واجهة التداولات مرة أخرى بضغط كبير.

ويرى خبراء الطاقة أن المتعاملين في البورصات العالمية باتوا يدركون أن الاتفاق السياسي لا يعني بالضرورة الأمان الملاحي، خاصة في ظل غياب الوضوح التام حول آليات تنفيذ الهدنة وشروط العبور الآمن للسفن، إن حالة القلق السائدة في الأسواق تعود بشكل أساسي إلى الأهمية الجيوستراتيجية الفائقة لمضيق هرمز، الذي يعد الشريان الرئيسي لنقل نحو 20% من إجمالي إمدادات النفط العالمية، ويربط بين كبار المنتجين في منطقة الخليج العربي مثل السعودية والعراق والكويت وقطر وبين المستهلكين في كافة أنحاء العالم، وطالما ظلت الملاحة في هذا الممر معطلة أو محفوفة بالمخاطر، فإن ضغوط الأسعار ستظل قائمة وبقوة، وهو ما يفسر عدم عودة الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية قبل اندلاع الأزمة، بل وبدء رحلة صعود جديدة تعكس فقدان الثقة في الوعود الدبلوماسية مقابل الحقائق العسكرية الصعبة على الأرض.

علاوة المخاطر الجيوسياسية

تشير التحليلات الفنية لأسواق العقود الآجلة إلى وجود خلل واضح في التوازن بين العرض والطلب نتيجة استمرار حالة عدم اليقين، وفي هذا السياق، أوضحت فاندانا هاري، مؤسسة شركة "فاندا إنسايتس" المتخصصة في أبحاث الطاقة، أن التقلبات السعرية الحادة ستظل هي السمة الغالبة على السوق في الفترة القريبة المقبلة، مؤكدة أن الفرص تبدو ضئيلة للغاية أمام إعادة فتح فعلي وآمن للمضيق في المدى المنظور، وأضافت هاري أن السوق يعاني من ارتباك، إذ كان من المفترض أن تعود الأسعار لمستويات أكثر انخفاضًا لو كانت الهدنة حقيقية ومؤثرة على تدفقات الخام، ولكن بقاء الأسعار قرب حاجز الـ 100 دولار يؤكد أن المستثمرين يخشون حدوث انتكاسة مفاجئة، خاصة مع ورود تقارير تفيد بأن إيران قد نشرت خرائط لمسارات محددة لتجنب الألغام البحرية بالتنسيق مع الحرس الثوري، وهو ما يوحي بأن الممر المائي لا يزال منطقة عمليات عسكرية وليس مجرد معبر تجاري آمن.

علاوة على ذلك، لا يزال قطاع الشحن البحري العالمي يتبنى موقفًا دفاعيًا وحذرًا، حيث أعلنت شركات الشحن الكبرى أنها لن تخاطر بإرسال ناقلاتها عبر مضيق هرمز دون الحصول على ضمانات دولية قوية وشروط واضحة لوقف إطلاق النار، وما يزيد الطين بلة هو استمرار التوترات الموازية، حيث تواصل إسرائيل هجومها على لبنان، وهو ما دفع الجانب الإيراني للتصريح بأن المضي قدمًا في محادثات السلام الدائمة قد يكون "غير منطقي" في ظل استمرار هذه العمليات، هذا التصادم في المصالح والتحركات العسكرية المتداخلة يجعل من الهدنة مجرد فترة لالتقاط الأنفاس وليست حلًا جذريًا للأزمة، مما يضع علاوة المخاطر في صدارة العوامل المؤثرة على قرار الشراء والبيع في بورصات الطاقة العالمية، ويحرم السوق من الاستقرار المنشود الذي كان يأمله المستهلكون حول العالم.

تهديد المنشآت والهدنة الهشة

لم تتوقف المخاطر عند حدود الملاحة البحرية فحسب، بل امتدت لتطال البنية التحتية البرية لإنتاج ونقل النفط في المنطقة، فقد كشفت مصادر مطلعة في قطاع الطاقة عن تعرض منشآت نفطية حيوية لتهديدات مباشرة حتى بعد الإعلان عن الهدنة، حيث أشارت التقارير إلى قصف مواقع في دول خليجية مجاورة، بما في ذلك هجمات استهدفت خط أنابيب في المملكة العربية السعودية كان يُستخدم كبديل استراتيجي لتفادي المرور بمضيق هرمز، كما أعلنت كل من الكويت والبحرين والإمارات عن تعرضها لضربات طالت بعض المنشآت عبر طائرات مسيرة وصواريخ، مما يعزز القناعة بأن الحرب لم تنتهِ فعليًا، وأن كافة طرق الالتفاف على مضيق هرمز لا تزال ضمن دائرة الاستهداف، هذا التطور الخطير يعني أن إمدادات النفط العالمية ليست مهددة فقط في البحر، بل وفي المنشآت البرية أيضًا، وهو ما يرفع مستوى الرعب لدى المستثمرين ويدفعهم لتسعير الخام عند مستويات مرتفعة جدًا تحسبًا لأي انقطاع مفاجئ وكبير في الإمدادات.

إن استمرار هذه الهجمات المسلحة في ظل "وقف إطلاق النار" الهش يعكس عمق الأزمة الجيوسياسية وصعوبة السيطرة على كافة الأطراف المنخرطة في الصراع، وفي حال استمرار الضبابية بشأن أمن الممرات المائية والبرية، فإن أسعار النفط قد تتجاوز حاجز الـ 100 دولار مجددًا وبشكل مستدام، مما يهدد بدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي قاسي، وتترقب الأسواق حاليًا أي بادرة انفراجة حقيقية في المحادثات الأمريكية الإيرانية، إلا أن التصعيد الميداني يظل هو المحرك الأساسي، ومع بقاء مضيق هرمز رهينة للحسابات السياسية والعسكرية، يظل النفط هو العملة الأكثر تقلبًا وتأثرًا، مما يجعل الأسبوعين القادمين هما الاختبار الحقيقي لمدى قدرة المجتمع الدولي على حماية أمن الطاقة العالمي بعيدًا عن صراعات النفوذ الإقليمية التي أربكت الأسواق وغيرت موازين القوى الاقتصادية في عام 2026.