الثلاثاء 07 أبريل 2026
booked.net

رهان واشنطن النووي.. هل تمنع الصواريخ ما عجزت عنه الدبلوماسية؟

متن نيوز

في ظل تصاعد الحرب وتكثيف الضربات العسكرية، تتكشف ملامح إستراتيجية جديدة تستهدف العمق العلمي للبرنامج النووي في إيران، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على المنشآت والبنية التحتية، بل امتدت لتشمل العلماء والخبراء الذين يمثلون الركيزة الأساسية لهذا البرنامج. 

 

وتأتي هذه التطورات وسط تحركات تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل، لإضعاف القدرات النووية الإيرانية، ومنع أي إمكانية لتحويلها إلى سلاح مستقبلي.

 

استهداف الخبرات النووية

 

وحسب تقرير لشبكة "سي إن إن" الأمريكية، شيّع مئات الإيرانيين في بلدة آسارا الجبلية شمال إيران، جثمان العالم النووي الشاب محمد رضا كيا، في إشارة إلى مقتله خلال هجوم لم تُكشف تفاصيله بالكامل.

 

ورغم شح المعلومات حول حياته، تشير البيانات المتاحة إلى أن كيا كان طالب دكتوراه في الهندسة النووية بجامعة أمير كبير للتكنولوجيا، بينما أكدت والدته في مقطع مصور أنه قُتل في هجوم قبل أسابيع، في واحدة من سلسلة اغتيالات طالت علماء إيرانيين في أنحاء البلاد.

 

وتعكس هذه العمليات إستراتيجية تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل لضرب العمود الفقري للبرنامج النووي الإيراني، ليس فقط عبر استهداف المنشآت، بل أيضًا من خلال القضاء على العقول العلمية التي تقف وراءه.

 

"قائمة أهداف" شاملة 

وعلى مدار عقود، بَنت إيران منظومة متكاملة لدعم برنامجها النووي، شملت الجامعات، ومراكز البحث، وسلاسل إمداد معقدة، إضافة إلى قدرات تخصيب اليورانيوم باستخدام أجهزة طرد مركزي متطورة.

 

وبحسب مصدر أمني إسرائيلي، فإن جميع هذه المكونات باتت ضمن "قائمة الأهداف"، بما يشمل العلماء، والمختبرات، وحتى المصانع المرتبطة بشكل غير مباشر بالإنتاج.

 

وقال المصدر الأمني لـ (سي إن إن): "كل حلقة في سلسلة الإنتاج النووي مستهدفة، من قاعدة المعرفة إلى خط الإنتاج. الهدف هو قطع جميع الجذور، من العاملين في المختبرات إلى المصانع التي تنتج مكونات لتلك المختبرات".

 

وأضاف "إسرائيل تضرب كل مرحلة من مراحل عملية الإنتاج - بما في ذلك مصانع الحديد والصلب التي لا تشكل جزءًا مباشرًا من الصناعة العسكرية، ولكنها قد تساهم في نهاية المطاف في إعادة بناء عملية الإنتاج".

 

وتابع "من حيث المعرفة، العلماء والمكتبات والأرشيفات والمختبرات الكيميائية، والأشخاص الذين يعملون في كل هذه الأماكن، وكذلك الرتب التي يمكن أن تحل محلهم. كلها أهداف".

 

اغتيالات متتالية 

 

وبعد أيام من جنازة كيا، أسفر هجوم آخر عن مقتل 9 أشخاص، بينهم عالم بارز يعمل في منظمة الابتكار والأبحاث الدفاعية "SPND"، المرتبطة بتطوير المعرفة النووية.

 

وتأسست هذه المنظمة على يد محسن فخري زاده، الذي يُعتقد أنه اغتيل في عملية نُسبت لإسرائيل قبل سنوات، فيما قُتل رئيسها الحالي أيضًا في ضربات سابقة، إلى جانب عدد من العلماء خلال الفترة الأخيرة.

 

ولم تقتصر الضربات على العلماء، بل شملت أيضًا قادة عسكريين، خاصة في برنامج الصواريخ التابع للحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى استهداف مصانع الحديد والصلب وسلاسل الإمداد التي قد تسهم في إعادة بناء البرنامج النووي.

 

بين السلمية والقدرة العسكرية

ورغم تأكيد طهران أن برنامجها النووي سلمي، لطالما شككت الدول الغربية في نواياها، مشيرة إلى تطوير تقنيات "ثنائية الاستخدام" يمكن تحويلها سريعًا لأغراض عسكرية. كما تشير تقديرات إلى أن إيران تمتلك المعرفة الفنية الكافية، لإنتاج سلاح نووي في حال اتخاذ قرار سياسي بذلك.

 

وقالت نيكول غراجيفسكي، الأستاذة المساعدة في مركز الدراسات الدولية في معهد العلوم السياسية في باريس، إن "الخبراء النوويين يعتقدون أن إيران أجرت اختبارات تشخيصية، ونمذجة التأثيرات النووية، ومحاكاة التفجير، وكلها علامات على أن طهران كانت تكتسب المعرفة اللازمة لتسليح برنامجها عند الرغبة".

 

وذكرت تقييمات الاستخبارات الأمريكية، أنه لا يوجد دليل على أن إيران كانت تحاول تسليح برنامجها النووي، لكن الخبراء يقولون إن إيران استخدمت وضعها كدولة على عتبة نووية - أي دولة تحتفظ بالقدرة على صنع قنبلة - كمصدر للضغط في المحادثات مع الغرب.

 

وتحتفظ إيران بمئات الكيلوغرامات من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو المكون الأساسي لصنع قنبلة نووية، ما يثير قلقًا واسعًا. وكانت طهران قد رفعت نسبة التخصيب إلى 60%، بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018.

 

وأشار مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، إلى أن هذه المواد يُعتقد أنها مخزنة في مدينة أصفهان، مع احتمال نقلها إلى مواقع أخرى.

 

مصير البرنامج النووي

 

ورغم الضربات المكثفة التي استهدفت منشآت نووية، لا يزال مصير البرنامج غير محسوم، حيث يرى خبراء أن المعرفة المتراكمة لدى إيران، إلى جانب مخزونها من اليورانيوم، قد يمكنها من تطوير سلاح نووي خلال فترة قصيرة نسبيًا إذا قررت ذلك.

 

وقالت غراجيفسكي: "لا يزال بإمكان إيران صنع سلاح نووي، الأمر يتعلق فقط بالإرادة السياسية. إذا توقفت الحرب، فبإمكان إيران نظريًا الشروع في جهد سريع لتسليح السلاح، في غضون عام أو عامين".

 

وفي ظل استمرار الحرب، تتصاعد الضغوط العسكرية والدبلوماسية على طهران، بينما يبقى السؤال الأهم: هل تنجح هذه الإستراتيجية في إنهاء الطموح النووي الإيراني، أم تدفعه نحو تسريع خطواته في الخفاء؟