ثروات القطب المدفونة.. لماذا تستميت الصين للوصول إلى كنوز الشمال؟

متن نيوز

في عالمٍ تتسارع فيه موازين القوة وتتبدل خرائط النفوذ، تواصل الصين تثبيت أقدامها لاعبًا رئيسيًا في المشهد الدولي، مدفوعةً باقتصادٍ عملاق، وطموحٍ سياسي لا يخفي ملامحه، ورؤيةٍ استراتيجية تمتد من حدودها الإقليمية إلى أبعد نقطة على خريطة العالم.

 

لم تعد بكين مجرد مصنعٍ للعالم، بل تحوّلت إلى قوةٍ تكنولوجية وعسكرية ومالية تسعى لإعادة صياغة قواعد اللعبة الدولية، عبر مبادرات عابرة للقارات، وتحالفات مدروسة، وحضور متنامٍ في ملفات حساسة من آسيا إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية. وبين صعودٍ يراه البعض فرصةً لشراكات جديدة، ومخاوف غربية من تمدد النفوذ الصيني، تبقى الحقيقة الأبرز أن القرن الحادي والعشرين لا يمكن قراءته بمعزل عن الدور الصيني المتصاعد.

 

كاسحات الجليد الصينية

تتصاعد المخاوف الغربية من تنامي الحضور الصيني – الروسي في القطب الشمالي، في وقت يشهد فيه الإقليم تحولات جيوسياسية متسارعة بفعل ذوبان الجليد وفتح ممرات بحرية جديدة. وفي صدارة هذه المخاوف يبرز برنامج الصين لبناء كاسحات الجليد، الذي اعتبرته دوائر غربية مؤشرًا واضحًا على طموحات بكين بعيدة المدى في المنطقة.

 

وتحوّلت أحدث كاسحة جليد صينية مخصصة للعمل في القطب الشمالي، والقادرة على اختراق كتل جليدية يصل سمكها إلى 2.5 متر، إلى رمز لهذه الطموحات. ويأتي ذلك في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بمحاولات الرئيس الأميركي دونالد ترمب تبرير سيطرة أميركية على جرينلاند، مستندًا جزئيًا إلى تنامي النشاط الصيني والروسي في المنطقة، وفقا لصحيفة “فاينانشيال تايمز”، الخميس 12 فبراير 2026.

 

أسطول قطبي ناشئ

كان قد كُشف في ديسمبر 2025 عن تصميم تصوري لمشروع سفينة صينية تعمل بالطاقة النووية، يُفترض أن تمثل نموذجًا أوليًا لأسطول قطبي ناشئ تسعى بكين من خلاله إلى تدشين “طريق حرير قطبي” جديد عبر الممرات الشمالية. وذكر معهد الأبحاث الحكومي الصيني “708”، المسؤول عن تصميم السفينة، أنها ستكون متعددة المهام، تجمع بين نقل البضائع والسياحة القطبية.

 

ورغم تأكيد الصين أن مصالحها في القطب الشمالي ذات طابع تجاري وبحثي، فإن عددًا كبيرًا من المحللين الغربيين يشيرون إلى الطبيعة المزدوجة –المدنية والعسكرية– للأنشطة الصينية في الإقليم، بدءًا من إنشاء محطات أبحاث، مرورًا بالتعاون في مجالات النفط والغاز، وصولًا إلى تنفيذ دوريات عسكرية مشتركة مع روسيا قرب ألاسكا.

 

طموح الصين في القطب الشمالي

ترى هيلينا ليجاردا، رئيسة برنامج العلاقات الخارجية في مركز “ميركس” البحثي في برلين، أن بكين تنظر إلى القطب الشمالي باعتباره ساحة حاسمة في تنافسها الجيوسياسي والاستراتيجي مع الولايات المتحدة والغرب عمومًا، وتسعى إلى توسيع نفوذها وحضورها وإمكانية وصولها إلى المنطقة.

 

وتزداد أهمية القطب الشمالي مع توقعات بسباق دولي لتأمين ممرات شحن أقصر وأقل تكلفة، إلى جانب السعي للاستفادة من الموارد الطبيعية الغنية التي قد تصبح أكثر سهولة في الاستخراج مع تراجع الغطاء الجليدي. كما يتيح الإقليم إمكانات عسكرية واسعة، تشمل مجالات الفضاء والأقمار الصناعية والانتشار الاستراتيجي للغواصات النووية، ما يرفع احتمالات تحول التنافس إلى مواجهة.

 

طريق حرير قطبي

تاريخيًا، بدأت الصين اهتمامها العملي بالقطب الشمالي بشراء كاسحة الجليد “شيوي لونج” (التنين الثلجي) من أوكرانيا عام 1993، قبل أن تطور قدراتها محليًا. وفي عام 2004 افتتحت أول محطة أبحاث دائمة لها في أرخبيل سفالبارد النرويجي، ثم أنشأت محطة أخرى في أيسلندا عام 2018. وفي العام نفسه أصدرت بكين وثيقة سياستها القطبية، التي تضمنت تصورًا لـ”طريق حرير قطبي” عبر تطوير طرق الشحن الشمالية، مشيرة إلى تكثيف أبحاثها و”المسوحات الهيدروغرافية” لتعزيز الأمن والقدرات اللوجستية في المنطقة.

 

وتُعد كاسحات الجليد أداة أساسية لبسط النفوذ في البيئات القطبية، إذ تمكّن الدول من الوصول إلى مناطق متجمدة والحفاظ على وجود دائم فيها. وفي المقابل، خصصت إدارة ترامب 9 مليارات دولار لتعزيز قدرات الولايات المتحدة في القطبين الشمالي والجنوبي، بهدف تأمين الوصول والقيادة الأميركية في هذه المناطق، وفق ما أعلنته وزارة الدفاع في ديسمبر.

 

دولة شبه قطبية

كانت الصين قد وصفت نفسها في وثيقة 2018 بأنها دولة “شبه قطبية”، وهو توصيف قوبل بانتقاد حاد من وزير الخارجية الأمريكي آنذاك مايك بومبيو، الذي أكد أن هناك دولًا قطبية وأخرى غير قطبية فقط، رافضًا منح الصين أي صفة خاصة.

 

وفي السنوات الأخيرة، أبدت بكين اهتمامًا متزايدًا بطريق بحر الشمال الذي يمر عبر المياه الروسية. وقال يو يون، الباحث في معهد 708، لصحيفة “تشاينا ديلي”، إن الطرق القطبية يمكن أن تقلص مسافات الرحلات بنسبة تتراوح بين 30 و40% مقارنة بالطريق التقليدي عبر قناة السويس.

 

تجربة سفر قطبية

من جانبه، اعتبر جيمس تشار، الخبير في الشأن الصيني، أن بكين تعتمد استراتيجية “بناء حضور” طويل الأمد بدلًا من استعراض نفوذ مباشر. وأكد يو إنجه بيككيفولد، الزميل في المعهد النرويجي لدراسات الدفاع، أنه لم تُسجل حتى الآن أي حالة لإبحار سفينة عسكرية صينية في المحيط المتجمد الشمالي، مشيرًا إلى أن الفائدة العسكرية لطريق بحر الشمال غالبًا ما يُبالغ في تقديرها بسبب ضيق الممرات وقصر مواسم الإبحار وصعوبة إدخال غواصات نووية عبر مضيق بيرينج دون اكتشافها.

 

وفي المقابل، تواصل الصين تقديم أنشطتها في القطب الشمالي باعتبارها مدنية الطابع. وقال شوي منج، مهندس السفن القطبية في معهد 708، إن كاسحة الجليد الجديدة ستنقل مئات الركاب والحاويات، وتوفر تجربة سفر قطبية “فاخرة وآمنة”. غير أن مراقبين يرون أن هذه الأنشطة، حتى وإن غُلّفت بالبحث والتجارة والسياحة، تسهم في ترسيخ وجود صيني طويل الأمد في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية استراتيجيًا.