فيروس نيباه.. الموت الصامت الذي يحمله الخفاش يثير استنفارًا طبيًا في جنيف
أعلنت منظمة الصحة العالمية، من خلال برنامج الطوارئ الصحية التابع لها، في مؤتمر صحفي حاسم عُقد في جنيف يوم الجمعة، أن التقييمات الحالية لمستوى تهديد فيروس "نيباه" تشير إلى أن خطر انتشاره يظل في النطاق "المنخفض" سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي أو العالمي. وتأتي هذه التصريحات الرسمية لتهدئة موجة من القلق الدولي التي اندلعت عقب رصد حالات إصابة مؤكدة في الهند، مما أثار مخاوف من تكرار سيناريوهات الأوبئة الفيروسية العابرة للحدود. وأوضحت أناييس لغان، المسؤولة بالمنظمة، أن البيانات الميدانية حتى الآن لا تدعو للذعر، خاصة وأن التحقيقات الوبائية أثبتت أن المصابين لم يسافروا خلال فترة ظهور الأعراض، وهو ما يقلل احتمالية نقل العدوى بشكل عشوائي في وسائل النقل العامة أو المطارات الدولية، مما يجعل الوضع الحالي تحت السيطرة.
تحقيقات الهند الوبائية: 190 مخالطًا تحت المجهر ونتائج سلبية تبعث الأمل
في إطار جهود التقصي الوبائي المكثفة التي تجريها السلطات الصحية في الهند بالتعاون مع الخبراء الدوليين، كشفت منظمة الصحة العالمية عن بيانات مطمئنة تتعلق بحصيلة المخالطين للحالات المصابة. فقد تمت متابعة وفحص أكثر من 190 شخصًا ممن تواصلوا بشكل مباشر مع الشخصين المصابين، وأكدت النتائج المخبرية عدم ثبوت إصابة أي منهم بالمرض حتى الآن، كما لم تظهر عليهم أي أعراض سريرية تثير الريبة. هذا النجاح في احتواء دائرة المخالطين يُعد مؤشرًا قويًا على أن نمط انتقال الفيروس في هذه الموجة لم يتسم بالانتشار السريع أو التحور الذي يزيد من قدرته على العدوى بين البشر. وتظل هذه المجموعة تحت الرقابة الطبية الدقيقة لضمان عدم ظهور أي إصابات ثانوية، وهو ما يعزز فرضية أن الفيروس لا يزال يحافظ على خصائصه التقليدية المحدودة في الانتقال المباشر.
استنفار المطارات الآسيوية: إجراءات وقائية مشددة في هونج كونج وماليزيا وسنغافورة
رغم رسائل الطمأنة الصادرة من جنيف، لم تتوانَ السلطات الصحية في عدة دول آسيوية عن اتخاذ تدابير وقائية صارمة، حيث شهد هذا الأسبوع تشديد إجراءات الفحص الحراري والرقابة الطبية في مطارات هونج كونج، وماليزيا، وسنغافورة، بالإضافة إلى تايلاند وفيتنام. وتهدف هذه التحركات إلى بناء حائط صد مبكر لمنع تسلل أي حالة مشتبه بها من المناطق المتأثرة في الهند. وتدرك هذه الدول، التي عانت سابقًا من أزمات تنفسية وفيروسية، أن اليقظة المبكرة هي المفتاح لمنع تحول الحالات الفردية إلى تفشٍ وبائي. وتعمل فرق الرصد الوبائي في هذه المطارات على فحص المسافرين القادمين من جنوب آسيا، مع التركيز على رصد أعراض الحمى وضيق التنفس، في إجراء احترازي يعكس حجم الحذر الإقليمي رغم تقييم "الخطر المنخفض" الذي أعلنته منظمة الصحة العالمية.
التسلسل الجيني والبحث عن الطفرات: ماذا ينتظر العالم من مختبرات الهند؟
تتجه أنظار الخبراء في منظمة الصحة العالمية حاليًا نحو المختبرات الهندية بانتظار الإعلان عن نتائج التسلسل الجيني الكامل للفيروس المرصود مؤخرًا. ويهدف هذا الإجراء العلمي الدقيق إلى تقييم ما إذا كان فيروس "نيباه" قد شهد أي طفرات جينية قد تؤثر على سرعة انتشاره أو حدة أعراضه أو حتى قدرته على مقاومة العلاجات التجريبية. وصرحت أناييس لغان أن المنظمة لا تمتلك حتى اللحظة أي دلالات محددة تدعو للقلق بشأن تحور الفيروس، لكنها شددت على أهمية الشفافية في مشاركة البيانات الجينية لضمان استعداد النظام الصحي العالمي لأي طارئ. إن معرفة التسلسل الجيني تسمح للعلماء بمقارنة السلالة الحالية بالسلالات السابقة التي ظهرت في كيرالا أو مناطق أخرى، مما يوفر رؤية أعمق حول مصدر العدوى وتطورها الطبيعي.
فيروس نيباه.. القاتل الصامت بين فرضيات العدوى وغياب اللقاح المعتمد
يظل فيروس "نيباه" واحدًا من أخطر التهديدات الصحية نظرًا لارتفاع نسبة الوفيات الناجمة عنه، والتي تتراوح ما بين 40% إلى 75%، بالإضافة إلى كونه يسبب أعراضًا خطيرة تشمل الحمى الشديدة والتهاب الدماغ الحاد. ويُعد الفيروس من الأمراض حيوانية المنشأ، حيث تنقله خفافيش الفاكهة (Pteropus) وحيوانات أخرى مثل الخنازير. وفيما يخص مصدر العدوى في الموجة الحالية، تدرس منظمة الصحة العالمية عدة فرضيات، منها استهلاك عصير النخيل الملوث بفضلات الخفافيش، أو التعرض للفيروس داخل مرافق الرعاية الصحية. وما يزيد من تعقيد المشهد هو عدم وجود علاج نوعي أو لقاح معتمد رسميًا حتى عام 2026، ورغم وجود عدة لقاحات قيد التطوير والاختبار، إلا أن الوقاية وتجنب ملامسة الحيوانات المصابة أو استهلاك المنتجات الملوثة تظل هي الوسيلة الوحيدة والفعالة للنجاة من هذا الفيروس القاتل.
