"تونس الإنسانية".. قرارات تاريخية لدعم جرحى غزة وتأهب عسكري إيراني يشعل المشهد الإقليمي 2026

تعبيرية
تعبيرية

شهدت الساحة العربية والدولية تطورات متسارعة جمعت بين الجانب الإنساني والسياسي والأمني؛ حيث تصدرت الدولة التونسية المشهد بقرار استثنائي يجسد تضامنها المطلق مع القضية الفلسطينية، في حين رفعت إيران من نبرة تحذيراتها العسكرية تزامنًا مع حملة اعتقالات واسعة داخليًا. 

وفي تفاصيل المشهد التونسي، أصدرت وزارة المالية قرارًا يقضي بإعفاء الجرحى الفلسطينيين ومرافقيهم، الذين تم إجلاؤهم لتلقي العلاج في المؤسسات الصحية التونسية، من غرامات مخالفة تسوية الأوضاع الناتجة عن تجاوز مدة الإقامة القانونية بالبلاد. هذا القرار الذي نُشر في "الرائد الرسمي"، يعكس التزام الدولة التونسية بتوفير كافة سبل الراحة القانونية والمادية للأشقاء الفلسطينيين، وضمان عدم تحميلهم أي أعباء إدارية أو مالية نتيجة الظروف القسرية التي فرضتها الحرب على قطاع غزة، مما يسهل عمليات المغادرة أو طلب الإقامة القانونية مستقبلًا.

وعلى الجانب الآخر من الإقليم، تزايدت حدة التوترات الأمنية في إيران، حيث أعلنت السلطات اعتقال 16 من القادة الرئيسيين المسؤولين عن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد، مع استمرار ملاحقة عناصر أخرى تتهمهم طهران بالتحريض وتدبير أعمال شغب. ولم تتوقف التحركات الإيرانية عند الداخل، بل امتدت لتشمل تحذيرات عسكرية شديدة اللهجة، حيث أكدت القيادات الإيرانية أن أي مواجهة عسكرية أو حرب تُشن ضدها ستؤدي إلى إشعال المنطقة بأسرها، مشددة على أن الاستعداد الدفاعي للقوات المسلحة الإيرانية قد وصل إلى نسبة 200%. هذا الربط بين الدعم الإنساني التونسي للفلسطينيين والتصعيد الدفاعي الإيراني، يرسم ملامح عام 2026 الذي يبدو مثقلًا بتبعات الصراعات الإقليمية والضغوط السياسية الدولية التي تعيد تشكيل توازنات القوى في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

تونس تذلل العقبات القانونية أمام جرحى غزة: تفاصيل قرار الإعفاء الرسمي

يأتي قرار وزارة المالية التونسية بإعفاء الجرحى الفلسطينيين ومرافقيهم من غرامات الإقامة، كخطوة تنفيذية للوعود التي قطعها الرئيس التونسي قيس سعيد منذ بداية استقبال المصابين. ويشمل هذا الإعفاء كافة الحالات المتعلقة بتجاوز المدة القانونية للإقامة، سواء عند الرغبة في مغادرة التراب التونسي أو عند التقدم بطلب رسمي للحصول على الإقامة القانونية الدائمة أو المؤقتة. ويعد هذا الإجراء استثناءً قانونيًا لم يسبق له مثيل، يهدف إلى مراعاة الأوضاع الصحية والنفسية للجرحى الذين أصيبوا جراء القصف الإسرائيلي العنيف، ويؤكد أن تونس ليست مجرد وجهة للعلاج، بل هي حضن قانوني يحمي الوافدين إليها من أي تضييقات إدارية قد تنتج عن تعقيدات الأوضاع في الأراضي المحتلة وصعوبة العودة السريعة.

وكان الرئيس قيس سعيد قد قام بزيارة ميدانية في الرابع من ديسمبر الماضي، شملت عددًا من المستشفيات العمومية والمصحات الخاصة التي تستقبل الجرحى الفلسطينيين، حيث أكد حينها أن "تونس تفتح أبوابها دائمًا أمامهم". وشدد الرئيس في تصريحاته على أن الدولة التونسية بكامل أجهزتها مستعدة لتوفير أقصى درجات الرعاية الصحية والطبية، مشيرًا إلى أن استقبال جرحى غزة هو واجب قومي وإنساني. إن ترجمة هذه الزيارات إلى قرارات تشريعية في الرائد الرسمي، يعكس جدية الدولة في مأسسة الدعم للفلسطينيين، وتوفير غطاء قانوني يحمي كرامتهم ويضمن بقاءهم في تونس طوال فترة العلاج والنقاهة دون أي خوف من التبعات القانونية المتعلقة بقوانين الهجرة والحدود.

إيران والقبضة الأمنية: اعتقالات واسعة وتحذيرات من "حرب شاملة"

في سياق مختلف تمامًا، تواصل السلطات الإيرانية تشديد قبضتها الأمنية لمواجهة الاضطرابات الداخلية، حيث أعلنت رسميًا عن اعتقال 16 شخصًا ممن وصفتهم بـ "القادة الرئيسيين" للاحتجاجات الأخيرة التي هزت البلاد. وتأتي هذه الاعتقالات في إطار عملية أمنية واسعة تهدف إلى تقويض أي تحركات معارضة مستقبلية، مع التأكيد على أن الأجهزة الاستخباراتية تواصل ملاحقة قائمة أخرى من المطلوبين. وترى طهران أن هذه الاحتجاجات ليست مجرد حراك داخلي، بل هي محاولات مدفوعة من الخارج لزعزعة استقرار النظام، وهو ما دفع السلطات لاتخاذ إجراءات صارمة لفرض النظام العام، تزامنًا مع أزمة اقتصادية وضغوط دولية متزايدة على الملف النووي والسياسات الإقليمية.

وبالتوازي مع الإجراءات الداخلية، وجهت إيران رسالة تحذيرية شديدة اللهجة للمجتمع الدولي والقوى الإقليمية، مفادها أن الاستعدادات الدفاعية الإيرانية بلغت "ضعف القوة التقليدية" (200%). هذا التصريح الدفاعي يحمل رسائل ردع واضحة بأن أي محاولة للتدخل العسكري ستواجه برد فعل مزلزل قد يشعل فتيل حرب إقليمية شاملة تمتد آثارها لتشمل كافة دول المنطقة ومصالح القوى العظمى فيها. إن تأكيد طهران على "إشعال المنطقة" يعكس استراتيجية "الدفاع الهجومي" التي تتبناها لضمان عدم تعرض منشآتها الحيوية لأي ضربات، في ظل تصاعد التهديدات والتحالفات العسكرية المضادة في مطلع عام 2026، مما يجعل المشهد الإيراني في حالة تأهب قصوى ومفتوحًا على كافة الاحتمالات.

ختامًا، يظهر المشهد الإقليمي اليوم الخميس تباينًا واضحًا بين "دبلوماسية الإنسانية" التي تقودها تونس في ملف الجرحى الفلسطينيين، وبين "دبلوماسية الردع" التي تنتهجها إيران في مواجهة تحدياتها الداخلية والخارجية. إن قرار تونس بإعفاء الفلسطينيين من غرامات الإقامة هو رسالة حب وتضامن تتجاوز حدود الجغرافيا، بينما تظل التحذيرات الإيرانية بمثابة قرع لطبول الحرب التي يأمل الجميع تفاديها. وبين هذا وذاك، يظل المواطن العربي في قلب الحدث، يترقب استقرارًا أمنيًا من جهة، وينتظر مزيدًا من الدعم الإنساني للقضايا العادلة من جهة أخرى، في ظل عام 2026 الذي يبدو أنه سيحمل المزيد من المفاجآت السياسية والتشريعية في المنطقة العربية.