بعد تفشي البنغال الغربية.. تايوان تفرض بروتوكولات "الفئة الخامسة" لمنع تسلل فيروس نيباه إلى أراضيها
في ظل التحديات الصحية المتسارعة التي يواجهها العالم مع مطلع عام 2026، اتخذت السلطات الصحية في تايوان خطوة استراتيجية وصفت بأنها "الأكثر حزمًا" في إطار الأمن الصحي القومي، حيث أعلنت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) عن عزمها إدراج عدوى فيروس نيباه ضمن "أمراض الفئة الخامسة" التي يتوجب الإبلاغ عنها فورًا.
وتأتي هذه الخطوة الاحترازية في أعقاب رصد تفشٍ جديد ومقلق للفيروس في ولاية البنغال الغربية بالهند، وهو ما استدعى استنفارًا دبلوماسيًا وصحيًا عالميًا. وبحسب الخبراء، فإن هذا التحرك التايواني لا يستهدف فقط التصدي المباشر للفيروس، بل يهدف إلى بناء جدار حماية استباقي يمنع تكرار سيناريوهات الأوبئة السابقة، خاصة وأن فيروس نيباه يتميز بمعدلات فتك عالية جدًا تتجاوز بكثير معدلات الوفيات التي سجلتها فيروسات سابقة، مما يجعله على رأس قائمة التهديدات الوبائية التي تراقبها منظمة الصحة العالمية والمنظمات الصحية الكبرى في آسيا.
المخطط الزمني للتعديلات التشريعية: 60 يومًا من النقاش العام لحسم القرار
أوضح المسؤولون في مركز مكافحة الأمراض التايواني لوكالة الأنباء الكاثوليكية، أن التعديل المقترح على إجراءات مكافحة الأمراض المعدية قد تم طرحه رسميًا في 16 يناير 2026. وينص المقترح بوضوح على تصنيف فيروس نيباه ضمن الفئة الخامسة، وهي الفئة التي تضم الأمراض الناشئة أو النادرة التي تشكل خطرًا جسيمًا ومباشرًا على الصحة العامة.
ووفقًا للوائح القانونية في تايوان، سيخضع هذا المقترح لفترة نقاش عام تمتد لـ 60 يومًا، حيث يُسمح للخبراء والأطباء والمنظمات الأهلية بتقديم مرئياتهم الفنية قبل أن يدخل حيز التنفيذ الفعلي. هذا النهج التشاركي في سن القوانين الصحية يعكس رغبة تايوان في ضمان دقة البروتوكولات التي سيتم تطبيقها، والتي ستشمل إجراءات عزل مشددة، وفحوصات مخبرية متقدمة في الموانئ والمطارات، وآليات إبلاغ رقمية تربط كافة المستشفيات بالمركز الوطني للعمليات الصحية بشكل لحظي.
فيروس نيباه تحت المجهر: تاريخ من الفتك ومعدلات وفاة عالمية مرعبة
رغم أن فيروس نيباه لم يُدرج ضمن قائمة المراقبة ذات الأولوية في تايوان إلا منذ عام 2018، إلا أن خطورته البيولوجية دفعت السلطات لإعادة تقييم موقفه بشكل جذري. فمنذ اكتشاف الفيروس لأول مرة في عام 1998 بين مزارعي الخنازير في ماليزيا، تم تسجيل أكثر من 750 إصابة مؤكدة على الصعيد الدولي. ما يثير ذعر الأوساط الطبية هو أن معدل الوفيات المرتبط بهذا الفيروس يُقدّر بنحو 58% عالميًا، وهي نسبة صادمة تجعل من كل إصابة مشروع وفاة محتمل بنسبة تتجاوز النصف.
الفيروس الذي ينتقل أصلًا من خفافيش الفاكهة إلى الحيوانات أو البشر عبر الطعام الملوث، يمتلك قدرة على التسبب في التهابات دماغية حادة (التهاب الدماغ) وفشل تنفسي سريع، ولا يوجد له حتى الآن لقاح معتمد أو علاج نوعي، مما يضع أنظمة الرعاية الصحية في حالة عجز تقني أمام الحالات المتقدمة ويجعل من "الوقاية والرقابة" السلاح الوحيد الفعال.
التفشي الهندي 2026: محفز التحرك التايواني في البنغال وكيرالا
تأتي التحركات التايوانية مدفوعة بمعطيات ميدانية قادمة من شبه القارة الهندية، حيث أكد لين مينغ تشنغ، نائب المدير العام لمركز مكافحة الأمراض في تايوان، أن السلطات الهندية تسابق الزمن لاحتواء تفشي الفيروس في ولاية البنغال الغربية الشرقية.
وقد تم تأكيد خمس إصابات على الأقل حتى 19 يناير 2026، وهو رقم يعد كبيرًا بالنظر إلى سرعة انتشار الفيروس في التجمعات السكنية الكثيفة. وبناءً على ذلك، قررت تايوان الإبقاء على مستوى "إنذار السفر الأصفر" من الدرجة الثانية لولاية كيرالا في جنوب غرب الهند، والتي تُعرف تاريخيًا بأنها البؤرة الأكثر نشاطًا لفيروس نيباه.
ورغم عدم إصدار تحذيرات مماثلة لبقية الولايات الهندية حاليًا، إلا أن تصنيف الفيروس ضمن الفئة الخامسة سيعطي السلطات التايوانية صلاحيات قانونية لفرض حجر صحي إلزامي على القادمين من أي منطقة تظهر فيها إصابة واحدة، دون الحاجة لانتظار صدور قرارات سياسية مطولة.
بروتوكول الفئة الخامسة: ماذا يتغير في إجراءات السيطرة الصحية؟
بمجرد دخول التصنيف الجديد حيز التنفيذ، سيخرج فيروس نيباه من حيز الأمراض "تحت المراقبة" إلى حيز "الطوارئ الصحية الناشئة". هذا يعني أن أي حالة مشتبه بها يجب أن تُبلغ للسلطات في غضون ساعات قليلة، مع الالتزام بتطبيق إجراءات السيطرة الخاصة التي تشمل تتبع المخالطين بمستوى "صفر تهاون".
كما يتضمن البروتوكول تفعيل مختبرات الفئة الرابعة (P4) لتحليل العينات لضمان عدم تسرب الفيروس بيئيًا. ويهدف هذا التغيير التشريعي إلى تمكين الحكومة من تخصيص ميزانيات طوارئ فورية لشراء المستلزمات الطبية وتجهيز وحدات عزل متخصصة تعمل بضغط هواء سالب، وهي إجراءات تُطبق فقط مع الأمراض التي تمتلك قدرة تدميرية للمجتمع.
إن تايوان، بخبرتها الواسعة في التعامل مع فيروسات التنفسية والأمراض المعدية، تسعى لأن تكون الدولة الأكثر استعدادًا في شرق آسيا لمواجهة هذا التهديد القادم من الغرب.
التحوط كاستراتيجية بقاء في عالم الأوبئة الناشئة
في نهاية المطاف، يمثل قرار تايوان بتشديد الرقابة على فيروس نيباه خطوة استباقية حكيمة تدرك من خلالها أن الحدود الجغرافية لم تعد عائقًا أمام الفيروسات العابرة للقارات.
إن إدراج الفيروس ضمن الفئة الخامسة هو اعتراف رسمي بالخطر الداهم الذي يمثله "نيباه" بقدرته على الفتك بنصف المصابين به.
ومع انتظار انتهاء فترة النقاش العام التي تنتهي في مارس 2026، تظل الأعين موجهة نحو الهند لمراقبة مدى قدرة السلطات هناك على محاصرة التفشي الحالي. تايوان اليوم تبعث برسالة واضحة للعالم بأن الأمن الصحي هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي، وأن الشفافية والتشريع الاستباقي هما الأداتان الأقوى في مواجهة المجهول الوبائي الذي يهدد استقرار المجتمعات واقتصاداتها في هذا العصر المتسارع.
