فيروس نيباه القاتل: من الخفافيش إلى البشر.. رحلة الميكروب الذي لا لقاح له

فيروس نيباه
فيروس نيباه

عادت المخاوف العالمية من الأوبئة الفيروسية لتتصدر المشهد الصحي مجددًا في مطلع عام 2026، وذلك بعدما أكدت السلطات الصحية في الهند ظهور 5 حالات إصابة مؤكدة بفيروس "نيباه" القاتل في ولاية البنغال الغربية الشرقية، مما أثار حالة من الذعر نظرًا لخطورة هذا الفيروس ومعدلات الوفاة المرتفعة المرتبطة به،

 وما يزيد من خطورة هذا التفشي الأخير هو وصول العدوى إلى الكوادر الطبية التي تمثل خط الدفاع الأول، حيث شملت الإصابات أطباء وممرضين يعملون في مستشفى خاص بمدينة باراسات القريبة من العاصمة كولكاتا، وقد أفادت التقارير الرسمية بتسجيل ثلاث إصابات جديدة مطلع هذا الأسبوع، لترتفع الحصيلة الإجمالية إلى خمس حالات، من بينهم ممرض وممرضة ثبتت إصابتهما أثناء رعاية المرضى، وهو ما يشير بوضوح إلى قدرة الفيروس على الانتقال بين البشر داخل البيئات العلاجية.

إجراءات احترازية مشددة وحجر صحي لمخالطي المصابين في كولكاتا

لم تتوقف السلطات الهندية عند رصد الحالات فحسب، بل سارعت لاتخاذ تدابير وقائية صارمة للحد من انتشار الفيروس في المناطق المجاورة، حيث تم وضع نحو 100 شخص من المخالطين تحت الحجر الصحي المنزلي الصارم والمراقبة الطبية الدقيقة، ويتلقى المصابون حاليًا العلاج في مستشفيات العاصمة الهندية تحت إشراف فرق طبية متخصصة، وسط أنباء عن وجود حالة حرجة واحدة على الأقل تصارع الموت، وتأتي هذه الإجراءات في وقت تضع فيه منظمة الصحة العالمية فيروس نيباه ضمن قائمة "العوامل الممرضة عالية الخطورة" التي تمتلك القدرة على إحداث جائحة عالمية إذا لم يتم تطويقها مبكرًا، خاصة وأن الفيروس يتميز بفترة حضانة قد تمتد لعدة أيام، مما يسمح للمصابين بنقل العدوى قبل ظهور الأعراض القوية عليهم.

أعراض فيروس نيباه.. من الإنفلونزا البسيطة إلى التهاب الدماغ الفتاك

تكمن خطورة فيروس نيباه في أن أعراضه الأولية غالبًا ما تكون خادعة ومضللة، حيث تبدأ بشكل مشابه تمامًا للإنفلونزا الموسمية، مما يجعل التشخيص المبكر تحديًا كبيرًا للأطباء، وتبدأ الأعراض بحمى شديدة، وصداع حاد، وآلام في العضلات، وإرهاق عام، ومع تطور المرض، قد تظهر أعراض تنفسية حادة مثل السعال الشديد وضيق التنفس الذي قد يتطور إلى التهاب رئوي قاتل، إلا أن أشد المضاعفات فتكًا هي قدرة الفيروس على اختراق الجهاز العصبي المركزي والتسبب في التهاب الدماغ الحاد، 

ويؤدي ذلك إلى ظهور أعراض عصبية مرعبة تشمل تشنجات عنيفة، وتغير في مستوى الوعي، والغيبوبة التامة في غضون أيام قليلة من الإصابة، وفي بعض الحالات النادرة قد يُصاب المرضى بالتهاب السحايا، مما يجعل الوفاة نتيجة حتمية في كثير من الأحيان.

معدلات وفاة مرعبة ومضاعفات عصبية طويلة الأمد للناجين

وفقًا لتقارير وكالة الأمن الصحي البريطانية ومنظمة الصحة العالمية، فإن فيروس نيباه يتسم بمعدل وفاة مرتفع للغاية يتراوح بين 40% و75%، وهي نسبة تتجاوز بكثير معدلات الوفاة في معظم الأوبئة الفيروسية المعاصرة،

 وتختلف هذه النسبة بناءً على نوع السلالة الفيروسية ومدى كفاءة الرعاية الصحية المقدمة، ولا تتوقف المأساة عند الوفاة فحسب، بل إن الناجين من هذا الفيروس القاتل غالبًا ما يعانون من مضاعفات عصبية ونفسية طويلة الأمد، حيث تسجل التقارير حالات من التشنجات المستمرة والاضطرابات الإدراكية، وفي ظاهرة طبية محيرة ومقلقة، قد يعاود التهاب الدماغ الظهور مجددًا بعد أشهر أو حتى سنوات من التعافي المفترض من الإصابة الأولية، مما يجعل الفيروس تهديدًا مستمرًا يكمن داخل الجسد.

طرق انتقال العدوى.. من خفافيش الفاكهة إلى مائدة الإنسان

يُصنف فيروس نيباه كفيروس "حيواني المنشأ"، حيث تعتبر خفافيش الفاكهة (من فصيلة بتروبوس) هي الناقل الأساسي والمستودع الطبيعي له في الطبيعة، وتنتقل العدوى إلى البشر بعدة طرق، منها الاتصال المباشر مع الخفافيش أو الحيوانات الوسيطة مثل الخنازير التي قد تُصاب بالعدوى أولًا، كما يمكن أن تحدث الإصابة نتيجة تناول الفواكه أو شرب عصائر النخيل الملوثة ببول أو لعاب أو فضلات الخفافيش المصابة،

 أما الأخطر فهو الانتقال بين البشر، والذي يحدث بشكل رئيسي عبر السوائل الجسدية (مثل اللعاب أو الدم أو الإفرازات التنفسية)، وهو ما يفسر سبب إصابة الطواقم الطبية وأفراد العائلة الذين يقدمون الرعاية المباشرة للمرضى دون اتخاذ احتياطات الوقاية القصوى.

تاريخ الفيروس وغياب العلاج.. هل يواجه العالم مأزقًا طبيًا؟

منذ التعرف على فيروس نيباه لأول مرة في عام 1999 بين مزارعي الخنازير في ماليزيا وسنغافورة، شهد العالم تفشيات متكررة في جنوب آسيا، خاصة في بنغلاديش وشمال شرق الهند، مع تسجيل حالات شبه سنوية منذ عام 2001، ورغم مرور عقود على اكتشافه، إلا أنه لا يوجد حتى يومنا هذا علاج محدد أو لقاح فعال ومعتمد للقضاء على الفيروس،

 ويقتصر التدخل الطبي حاليًا على الرعاية الداعمة وإدارة الأعراض وتخفيف الآلام، لذا تشدد الجهات الصحية العالمية على أن الوقاية هي السلاح الوحيد المتاح، وتوصي بارتداء القفازات والملابس الواقية عند التعامل مع الحيوانات في المناطق الموبوءة، والحد من الاتصال المباشر مع المصابين، والالتزام الصارم بغسل اليدين والتعقيم المستمر، وتجنب تناول الفواكه التي تظهر عليها آثار قضم الحيوانات.