خوارزميات الموت.. كيف هزّ وثائقي "نازا" أركان المؤسسة العسكرية في إسرائيل؟

متن نيوز

تحول العمل السينمائي «نازا» (NAZA) من مجرد فيلم وثائقي إلى زلزال سياسي وأمني يضرب أركان المؤسسة الإسرائيلية. ولم يعد الجدل محصورًا في مضمونه الفني، بل امتد ليطال شريان العقيدة العسكرية الإسرائيلية، كاشفًا عن كواليس استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في إدارة عمليات القصف واسعة النطاق داخل قطاع غزة، وسط اتهامات دولية ومحلية بارتفاع مذهل في أعداد الضحايا المدنيين.

 

العمل، الذي يحمل توقيع المخرجين يوڤال أبراهام وراشيل زور، فجر عاصفة من الغضب الرسمي العارم، متجاوزًا شاشات العرض ليتحول إلى معركة مفتوحة بين مطالبات بقانون لسحب الجنسية، واتهامات بالخيانة، ودفاع استماتة من الجيش الإسرائيلي.

 

 

أولًا: كواليس «نازا».. حين يُصبح الهدف "الكم لا الكيف"

 

يقدم الفيلم شهادات حية ومباشرة لـ 24 ضابطًا وجنديًّا من نخبة الاحتياط والاستخبارات الإسرائيلية، شاركوا في توجيه الضربات الصاروخية عن بُعد. وتكشف هذه الشهادات عن تحول جذري في طبيعة المعركة بفعل الاعتماد المفرط على خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

 

منظومة حساب الضرر: يستمد الفيلم اسمه من الاختصار العسكري (NAZA) المعني بتقييم «الضرر الجانبي» المتوقع قبل تنفيذ أي ضربة.

أرقام صادمة: أقر أحد الشهود بأن السماح بسقوط نحو 20 مدنيًّا لتحييد عنصر واحد من حركة حماس كان معيارًا مطاطيًا ومتداولًا، بينما تحدث شاهد آخر عن إقرار الجيش لضربة بلغت حصيلتها التقديرية نحو 500 مدني (وهو ما ينفيه الجيش الإسرائيلي تمامًا).

الأولوية للكمية لخّص أحد الضباط المشاركين فلسفة الاستهداف بالقول إن «الهدف كان الكمية وليس الجودة»، مما يعني أن المنظومة صُممت لإنتاج أهداف بالجملة على حساب الدقة وتحييد المدنيين.

 

 

ثانيًا: إسرائيل في قفص الاتهام.. غضب غير مسبوق وحملة ملاحقة

 

أثار الوثائقي ردود فعل رسمية متطرفة داخل تل أبيب، كاشفة عن مدى القلق الذي تسببت فيه روايات الجنود للرواية الرسمية:

 

تهديدات سياسية وعسكرية: تعهد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير بالرد واستخدام «كل أداة متاحة»، بينما طالب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بسن تشريع عاجل يسمح بسحب جنسية المخرجين.

تحقيق أمني داخلي: سارعت الاستخبارات العسكرية بفتح تحقيق رسمي لمعرفة مصادر تسريب تلك المعلومات والوثائق السرية.

إرهاب فكري وميداني: طالب وزير الثقافة بفتح تحقيق جنائي بتهمة «الخيانة»، تزامنًا مع احتجاجات يمينية متطرفة أمام منزل عائلة المخرجة راشيل زور، تخللتها هتافات تطالب بإعدام المخرجين وهدم منازلهم.

 

ثالثًا: جدار الإنكار الإسرائيلي وصراع الروايات

 

يرى المؤرخ الإسرائيلي الأمريكي أومير بارتوف أن المجتمع الإسرائيلي يعيش منذ ما يقرب من ثلاث سنوات حالة من «الإنكار الجماعي». وأوضح أن فيلم «نازا» نجح في كسر جدار الصمت المفروض، دافعًا الشارع الإسرائيلي لمواجهة ما جرى في غزة. لكنه استدرك بأن تقبل فكرة تورط الجيش في «حرب إجرامية» يظل أمرًا شديد التعقيد في مجتمع ترتبط فيه الخدمة العسكرية ارتباطًا وثيقًا بالهوية الفردية والوطنية.

 

في المقابل، يحاول بعض المحللين مثل أرييل أوسيران تبرير الموقف باعتبار مصطلح «الضرر الجانبي» دليلًا على أن الضحايا لم يكونوا أهدافًا مقصودة بحد ذاتهم. غير أن صُنّاع الفيلم ينسفون هذا التبرير، مؤكدين أن هندسة منظومة الاستهداف الذكية نفسها جُبلت على قبول أعداد هائلة من الضحايا المدنيين كلفةً مقبولة للعمليات.

 

 

رابعًا: ز زخم دولي وعروض مرتقبة

 

بعد انتزاعه جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي، يتأهب الفيلم لعرضه الجماهيري والنقدي الأول في الولايات المتحدة ضمن مهرجان نيويورك السينمائي في السادس والعشرين من سبتمبر. وقد شهد العرض الصحفي التمهيدي في نيويورك إقبالًا واسع النطاق وحضورًا إعلاميًا ضخمًا، مما يضمن تمدد رقعة النقاش العالمي حول حدود الأخلاق العسكرية في عصر الخوارزميات، ويبقي السؤال معلقًا: إلى أي مدى ستنجح إسرائيل في احتواء تداعيات هذا الوثائقي؟