الثلاثاء 25 أغسطس 2026
booked.net

«خلاف مفتعل».. لماذا قرر نتنياهو النأي بنفسه عن بن غفير؟

متن نيوز

أثار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تساؤلات داخل الساحة السياسية بعد امتناعه عن الظهور علنًا إلى جانب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، في خطوة فسرتها تقارير إسرائيلية باعتبارها محاولة لإعادة رسم صورة نتنياهو أمام الناخبين، أكثر من كونها قطيعة سياسية حقيقية بين الرجلين.

وتزامن هذا التباعد العلني مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، ما يعزز القراءة التي ترى أن نتنياهو يريد تقديم نفسه بوصفه خيارًا أكثر اعتدالًا من بعض شركائه في الائتلاف، فيما يسعى بن غفير إلى تكريس صورته باعتباره ممثل اليمين الأكثر تشددًا. 
 

شرارة الخلاف.. صورة لم تُلتقط

برزت الأزمة بعدما رفض نتنياهو الظهور في فعالية لإحياء ذكرى سفينة «ألتلينا» إلى جانب بن غفير، واختار بدلًا من ذلك تسجيل كلمة مصورة من موقع منفصل.

بن غفير لم يتعامل مع الخطوة باعتبارها تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رأى فيها رسالة سياسية. ووفق مقربين منه، فإن نتنياهو يتجه إلى التقارب مع غادي آيزنكوت، أحد أبرز الأسماء في معسكر المعارضة، على حساب العلاقة مع شركائه اليمينيين، لكن خلف هذه الحادثة تبدو حسابات انتخابية أكثر تعقيدًا.

نتنياهو يريد الابتعاد عن صورة اليمين المتطرف

حسب صحيفة «إسرائيل اليوم»، فإن التوتر العلني بين الرجلين يمكن أن يخدم نتنياهو سياسيًا، لأنه يمنحه فرصة للنأي بنفسه عن الشخصيات الأكثر إثارة للجدل داخل حكومته.

فنتنياهو، الذي يحتاج إلى الحفاظ على قاعدته اليمينية، يحاول في الوقت نفسه جذب الناخبين اليمينيين المعتدلين الذين قد ينفرون من الخطاب الحاد لبن غفير وغيره من أقطاب اليمين المتطرف.

وهنا تكمن المعادلة: نتنياهو يريد أن يبقى يمينيًا من دون أن يبدو أسيرًا لليمين المتشدد.

وتكتسب هذه المعادلة أهمية أكبر مع اقتراب الانتخابات، حيث يصبح لكل صورة وكل تصريح وكل تحالف محتمل وزن انتخابي، وبن غفير يريد العكس

في المقابل، لا يبدو أن بن غفير متضرر بالضرورة من إظهار المسافة بينه وبين نتنياهو.

فالوزير اليميني المتطرف لديه مصلحة في تقديم نفسه باعتباره صاحب الخط الأكثر تشددًا، وأنه لا يخضع لاعتبارات نتنياهو السياسية أو لحسابات الوسط.

وبالتالي، فإن الخلاف قد يخدم الطرفين في الوقت نفسه:

نتنياهو يظهر أكثر اعتدالًا واستقلالًا عن شركائه الأكثر تطرفًا.
بن غفير يعزز صورته باعتباره «اليمين الحقيقي» في مواجهة ما يمكن أن يصفه أنصاره بتنازلات نتنياهو، كلا الطرفين يستطيع مخاطبة شريحة مختلفة من الناخبين من دون الانفصال فعليًا عن المعسكر اليميني.

ولهذا وصفت تقارير إسرائيلية المواجهة بأنها قد تكون أقرب إلى صراع انتخابي محسوب منها إلى أزمة ائتلافية حقيقية. 

لماذا يصعب على نتنياهو قطع العلاقة؟

رغم محاولات نتنياهو إظهار مسافة عن بن غفير، فإن الواقع السياسي يجعل القطيعة الكاملة مكلفة.

فبن غفير يقود حزب «القوة اليهودية» ويملك قاعدة انتخابية يمينية متشددة، وقد لعب هذا التيار دورًا في دعم ائتلاف نتنياهو خلال السنوات الأخيرة.

كما أن إقصاء بن غفير أو الدخول معه في مواجهة حقيقية يمكن أن يفتح الباب أمام أزمة داخل الائتلاف، خصوصًا في ظل حساسية التوازنات البرلمانية الإسرائيلية.

وهذا يفسر ربما اعتماد نتنياهو على التباعد الرمزي بدلًا من الانفصال السياسي.

فهو يستطيع تجنب الصور المشتركة والتأكيد على اختلافه مع بعض مواقف بن غفير، من دون أن يصل الأمر إلى إسقاط التحالف الحكومي.

ملف الشرطة يكشف حدود الخلاف

المفارقة أن نتنياهو أظهر خلال الأشهر الماضية دعمًا سياسيًا واضحًا لبقاء بن غفير في منصبه، رغم الضغوط القضائية المتزايدة بشأن تدخل الوزير في عمل الشرطة.

ففي أغسطس/آب، أبلغ نتنياهو المحكمة العليا أنه لا ينوي إقالة بن غفير، مؤكدًا أنه لا يرى أساسًا قانونيًا لذلك. 
وكانت المحكمة العليا قد طلبت في وقت سابق من نتنياهو تفسير أسباب عدم إقالة الوزير، على خلفية اتهامات بتقويض استقلالية الشرطة والتدخل في عملها. 
وهذا التطور يقدم دليلًا مهمًا على أن المسافة السياسية التي يحاول نتنياهو إظهارها عن بن غفير لا تعني بالضرورة تخلي رئيس الوزراء عنه، خلاف في العلن.. تعاون في الحسابات

المشهد إذن يحمل مفارقة واضحة.

في العلن، يسعى نتنياهو إلى إبراز استقلاليته عن بن غفير وتجنب الارتباط المباشر بخطابه الأكثر تطرفًا.

لكن في الحسابات البرلمانية، لا يزال وجود بن غفير مهمًا بالنسبة إلى استقرار الائتلاف اليميني.

وفي المقابل، فإن بن غفير نفسه يستطيع استخدام أي محاولة من نتنياهو للابتعاد عنه في حملته الانتخابية، عبر تصوير رئيس الوزراء باعتباره سياسيًا مستعدًا للتراجع أو عقد صفقات مع أطراف أخرى للحفاظ على السلطة.

وبذلك يتحول الخلاف من مشكلة إلى أداة سياسية يمكن للطرفين توظيفها.

آيزنكوت يدخل المعادلة

يزيد اسم غادي آيزنكوت من حساسية الحسابات.

فبحسب المقربين من بن غفير، فإن تجنب نتنياهو الظهور معه يمكن أن يكون مرتبطًا بإمكانية التقارب مع آيزنكوت، الذي يُنظر إليه باعتباره شخصية قادرة على استقطاب ناخبين من خارج المعسكر اليميني التقليدي. 
 

ومن منظور نتنياهو، فإن إبقاء الباب مفتوحًا أمام شخصيات من الوسط أو المعارضة قد يكون وسيلة لتوسيع هامش المناورة بعد الانتخابات.

لكن بالنسبة إلى بن غفير، فإن أي تقارب من هذا النوع يمثل تهديدًا لخطته الرامية إلى الحفاظ على حكومة يمينية صلبة.

الانتخابات هي المحرك الأساسي

في نهاية المطاف، يبدو أن الانتخابات تقف خلف معظم الحسابات الحالية.

نتنياهو يحتاج إلى الحفاظ على تحالف اليمين، لكنه يريد في الوقت ذاته تخفيف الأضرار التي تلحق بصورته بسبب مواقف بعض شركائه الأكثر تشددًا.

أما بن غفير، فيحتاج إلى إثبات أن حزبه ليس مجرد تابع لنتنياهو، بل قوة سياسية مستقلة يمكنها الضغط على رئيس الوزراء من اليمين.

ومن هنا يمكن أن تستمر لعبة «الخلاف داخل التحالف» خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا كلما اقترب موعد الاقتراع.

خلاف حقيقي أم تموضع انتخابي؟

يصعب الجزم بأن الخلاف بين نتنياهو وبن غفير مفتعل بالكامل؛ فهناك بالفعل اختلافات في الأسلوب والأهداف، كما أن بن غفير كثيرًا ما يدفع باتجاه سياسات أكثر تشددًا من تلك التي يريد نتنياهو تبنيها علنًا.

لكن الوقائع تشير في الوقت نفسه إلى أن الطرفين لا يبدوان مستعدين حاليًا للتضحية بالتحالف الذي يجمعهما.

ولهذا فإن الابتعاد العلني قد يكون محاولة لإعادة توزيع الأدوار: نتنياهو يخاطب اليمين المعتدل، وبن غفير يخاطب اليمين المتشدد، وكلاهما يبقى داخل المعسكر نفسه.

والاختبار الحقيقي سيكون في اللحظة التي تفرض فيها الانتخابات على الطرفين الاختيار بين تحالفهما الحالي وبين جذب قوى جديدة إلى المشهد.

حتى ذلك الحين، قد يبقى الخلاف بين الرجلين جزءًا من حرب الصورة والرسائل الانتخابية أكثر منه مقدمة لانفصال سياسي فعلي.