ضغوط إنسانية جديدة.. التصعيد الحوثي يأجج موجات النزوح في اليمن
تعود الأزمة اليمنية إلى دائرة الخطر مجددًا مع تصاعد المواجهات بين جماعة الحوثيين والقوات الموالية للحكومة اليمنية، في وقت تحذر فيه الأمم المتحدة من أن البلاد تواجه أخطر تهديد بالعودة إلى حرب واسعة النطاق منذ الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ عام 2022. ويأتي ذلك بينما يعيش ملايين اليمنيين أصلًا تحت وطأة الجوع والفقر والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية.
تصعيد يهدد بفتح جبهات جديدة
شهدت الأيام الأخيرة تكثيفًا للهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، خصوصًا في مناطق مثل مأرب وتعز والمخا، بالتزامن مع اشتباكات مع القوات الحكومية. وأفادت تقارير حديثة بوقوع هجمات على مناطق سكنية ومواقع في محافظة مأرب، إضافة إلى استهداف مدينة المخا على ساحل البحر الأحمر.
وترى الأمم المتحدة أن تصاعد النشاط العسكري يهدد بتقويض حالة الهدوء النسبي التي سادت اليمن منذ هدنة 2022، ويفتح الباب أمام عودة تدريجية إلى القتال واسع النطاق، مع ما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على المدنيين.
النزوح يعود إلى الواجهة
يُعد النزوح أحد أكثر التداعيات المباشرة لأي تصعيد جديد. فاليمن يستضيف بالفعل نحو 5.2 مليون نازح داخليًا، فيما تظل فرص عودة كثير منهم محدودة بسبب استمرار انعدام الأمن، وتدمير المنازل، والنزاعات على الأراضي والممتلكات، وغياب الخدمات وفرص العمل.
وتظهر بيانات منظمة الهجرة الدولية أن حركة النزوح استمرت خلال عام 2026. وبين الأول من يناير/كانون الثاني والأول من أغسطس/آب، رصدت المنظمة نزوح نحو 9،984 شخصًا، مع تسجيل تحركات جديدة في محافظات بينها تعز ومناطق الساحل الغربي.
وفي حال اتساع رقعة المواجهات، يخشى أن تتحول موجات النزوح المحدودة إلى حركة سكانية أكبر، خصوصًا في المناطق القريبة من خطوط التماس، حيث تعاني المجتمعات المحلية أصلًا من نقص الموارد والخدمات.
أزمة إنسانية قبل التصعيد
لا تبدأ المعاناة الإنسانية في اليمن مع الجولة الحالية من القتال، بل تأتي فوق أزمة مزمنة ومتعددة الأبعاد.
وتقدر الأمم المتحدة أن 22.3 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وحماية خلال عام 2026، بينهم ملايين النازحين. كما يعاني 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد.
ويزيد ضعف النظام الصحي من هشاشة السكان أمام أي موجة نزوح جديدة؛ إذ لا تعمل سوى نحو 59% من المنشآت الصحية بصورة كاملة، بينما تواجه البلاد أيضًا أزمات متكررة مرتبطة بالأمراض المعدية ونقص المياه وخدمات الصرف الصحي.
مخيمات مكتظة وموارد تتراجع
ويواجه النازحون الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم أكثر من مرة ظروفًا شديدة الصعوبة. فالكثير منهم يعيش في مواقع نزوح غير رسمية تفتقر إلى الخدمات الأساسية، بينما تؤدي الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة إلى تقليص قدرتهم على تأمين الغذاء والسكن.
وتشير خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية لعام 2026 إلى أن نحو 1.6 مليون نازح يعيشون في مواقع غير رسمية باعتبارها خيارهم الأخير، فيما يواجه عدد كبير من الأسر مخاطر الإخلاء بسبب عدم قدرتها على دفع الإيجارات.
المساعدات أمام عقبات أمنية
ولا يقتصر تأثير التصعيد على المدنيين، بل يمتد إلى قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إليهم.
فالأمم المتحدة حذرت من أن احتجاز موظفين تابعين لها ولمنظمات إنسانية يعرقل عمليات الإغاثة. ولا يزال 73 موظفًا أمميًا محتجزين لدى الحوثيين، حسب الأمم المتحدة، التي أكدت أن التهديدات والعوائق المفروضة على العاملين في المجال الإنساني تؤدي إلى تفاقم الأزمة.
وفي المناطق التي تسيطر عليها السلطات الحوثية، تتركز نسبة كبيرة من الاحتياجات الإنسانية، ما يجعل أي قيود إضافية على حركة العاملين أو وصول المساعدات ذات تأثير واسع على السكان الأكثر احتياجًا.
مأرب في قلب المخاوف
تكتسب مأرب أهمية خاصة في ملف النزوح، فهي من أبرز المناطق التي استقبلت أعدادًا كبيرة من النازحين خلال سنوات الحرب، كما أنها تقع في منطقة استراتيجية تشهد توترات عسكرية متكررة.
وأي تصعيد واسع حول المحافظة قد لا يؤدي فقط إلى نزوح سكان المناطق المتضررة، بل يمكن أن يضغط أيضًا على المجتمعات المضيفة التي تعاني أصلًا من محدودية الموارد والخدمات.
وتحذر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن التصعيد المحلي يمكن أن يؤدي إلى نزوح جديد، خصوصًا في مأرب ومناطق الجنوب، في وقت لا تزال فيه القدرة على الوصول الإنساني محدودة.
شبح العودة إلى الحرب
المخاوف الحالية لا تتعلق فقط بعدد الصواريخ أو المناطق التي تستهدفها الهجمات، وإنما باحتمال انهيار الترتيبات التي حالت دون عودة الحرب الشاملة خلال السنوات الماضية.
وحذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من أن البلاد باتت أمام أخطر احتمال للعودة إلى صراع واسع منذ هدنة 2022، داعيًا الأطراف إلى خفض التصعيد والعودة إلى المسار السياسي.
أما المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، فأعرب عن قلقه من ارتفاع الخسائر في صفوف المدنيين، محذرًا من مخاطر انزلاق اليمن مجددًا إلى حرب شاملة.
أزمة تتسع إذا استمر التصعيد
يواجه اليمن اليوم معادلة شديدة التعقيد: بلد يضم ملايين النازحين يحتاجون إلى المساعدات، واقتصاد منهك، وخدمات عامة متراجعة، وتهديد متجدد بعودة القتال واسع النطاق.
ومع كل جولة تصعيد جديدة، تصبح قدرة الأسر على البقاء في مناطقها أكثر هشاشة، فيما تتقلص الخيارات أمام من يضطرون إلى الفرار مجددًا.
وبذلك، فإن التصعيد الحوثي لا يمثل مجرد تطور عسكري في مسار الحرب اليمنية، بل يهدد بإعادة إنتاج واحدة من أكثر حلقات الأزمة الإنسانية قسوة: نزوح جديد فوق نزوح قديم، واحتياجات متزايدة في بلد لم يعد يملك ما يكفي من الموارد للاستجابة لها.
