الثلاثاء 11 أغسطس 2026
booked.net

اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية في ليبيا.. هل تعود الاغتيالات لتهديد استقرار بنغازي؟

متن نيوز

أثار مقتل رئيس الاستخبارات العسكرية في الجيش الوطني الليبي، فوزي المنصوري، حالة من الصدمة والقلق في مدينة بنغازي، بعدما تعرضت سيارته لانفجار عبوة ناسفة بالقرب من منزله في منطقة الهواري، في حادث أمني يعيد إلى الواجهة المخاوف بشأن قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ عمليات اغتيال تستهدف شخصيات أمنية وعسكرية بارزة في ليبيا.

وأعلن الجيش الوطني الليبي، اليوم الثلاثاء، وفاة فوزي المنصوري إثر الانفجار الذي استهدف سيارته، واصفًا عملية الاغتيال بأنها عمل خسيس وجبان، ومؤكدًا أن الأجهزة والقوات الأمنية لن تتراجع عن ملاحقة المسؤولين عن الحادث والعمل على كشف ملابساته وتحديد الجهات التي تقف وراءه.

تفاصيل اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية الليبية

وبحسب البيان الصادر عن الجيش الوطني الليبي، وقع الهجوم في منطقة الهواري بمدينة بنغازي، حيث انفجرت عبوة ناسفة في سيارة فوزي المنصوري بالقرب من منزله، ما أدى إلى مقتله، في واقعة تحمل مؤشرات على استهداف مباشر لشخصية عسكرية وأمنية تتولى مسؤولية حساسة داخل المؤسسة العسكرية.

وأوضح البيان أن عملية الاغتيال وقعت أثناء خروج المنصوري من أحد المساجد بعد أداء صلاة العشاء، وهو ما يضيف إلى الحادث بعدًا أمنيًا وإنسانيًا بالغ الحساسية، خاصة أن استهداف مسؤول أمني بهذا المستوى في محيط منزله وبعد خروجه من المسجد يكشف عن قدرة المنفذين، حال ثبوت تعمد العملية، على رصد تحركات الشخص المستهدف والوصول إليه في منطقة يفترض أن تكون أكثر أمانًا.

ولم تتبنَّ جهة مسؤوليتها عن الانفجار حتى الآن، بينما تتجه الأنظار إلى الأجهزة الأمنية المختصة لكشف ملابسات الحادث، وتحديد كيفية زرع العبوة الناسفة والجهة التي تقف خلف تنفيذ العملية، خاصة أن استهداف رئيس الاستخبارات العسكرية يمثل تطورًا أمنيًا لافتًا بالنظر إلى طبيعة منصبه وحساسية المعلومات والملفات التي تقع ضمن نطاق عمله.

الجيش الوطني الليبي يتوعد منفذي الاغتيال

وشدد الجيش الوطني الليبي في بيانه على أن مرتكبي عملية الاغتيال لن يفلتوا من العقاب، مؤكدًا أن الحادث لن يثنيه عن مواصلة ما وصفه بمواجهة الإرهاب والعمل من أجل تعزيز الاستقرار والأمن في ليبيا.

وأكدت القوات المسلحة الليبية استمرار جهودها الرامية إلى ملاحقة العناصر المتورطة في العمليات التي تهدد أمن البلاد، مع التشديد على أن اغتيال أحد أبرز المسؤولين في جهاز الاستخبارات العسكرية لن يؤدي إلى تعطيل عمل المؤسسات الأمنية أو التراجع عن الخطط المتعلقة بحماية المدن والمواقع العسكرية والأمنية.

ويحمل هذا الموقف رسالة واضحة بشأن التعامل مع الحادث، إذ تسعى القيادة العسكرية في شرق ليبيا إلى التأكيد على استمرار مؤسساتها في أداء مهامها رغم استهداف أحد مسؤوليها، في الوقت الذي تظل فيه قضية توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية واحدة من أبرز الملفات المطروحة على الساحة الليبية.

جنازة فوزي المنصوري في بنغازي

وأعلنت إدارة التوجيه المعنوي إقامة صلاة الجنازة على فوزي المنصوري في ساحة الكيش بمدينة بنغازي، الثلاثاء، عقب صلاة الظهر مباشرة، وسط حالة من الحزن داخل الأوساط العسكرية والأمنية في المدينة.

ومن المتوقع أن يحظى تشييع رئيس الاستخبارات العسكرية بحضور عدد من المسؤولين والقيادات العسكرية والشخصيات العامة، في ظل أهمية منصبه وما يمثله مقتله من تداعيات على المشهد الأمني في بنغازي والمنطقة الشرقية من ليبيا.

ويأتي تشييع المنصوري في وقت تواجه فيه ليبيا تحديات أمنية وسياسية متشابكة، حيث لا تزال البلاد تعاني من الانقسام بين مؤسسات وقوى سياسية وعسكرية في الشرق والغرب، رغم مرور سنوات على اتفاق وقف إطلاق النار الذي ساهم في وقف العمليات العسكرية الكبرى.

لماذا يثير اغتيال رئيس الاستخبارات القلق؟

ويكتسب اغتيال فوزي المنصوري أهمية خاصة بسبب طبيعة منصبه كرئيس للاستخبارات العسكرية، إذ تعد الأجهزة الاستخباراتية من أكثر المؤسسات حساسية داخل أي دولة، نظرًا لدورها في جمع المعلومات وتحليل التهديدات ومتابعة التنظيمات المسلحة والعمليات التي تستهدف الأمن الوطني.

ومن هذا المنطلق، فإن استهداف مسؤول بهذا المستوى لا يمثل مجرد حادث اغتيال لشخصية عسكرية، وإنما قد يحمل تداعيات أوسع تتعلق بأمن المؤسسات العسكرية وقدرتها على حماية قياداتها، كما يفتح الباب أمام تساؤلات حول الجهات التي يمكن أن تكون مستفيدة من إرباك المشهد الأمني في بنغازي.

ويظل تحديد دوافع العملية والجهة المسؤولة عنها عاملًا رئيسيًا في تقييم تداعيات الحادث، خصوصًا أن ليبيا شهدت خلال السنوات الماضية صراعًا معقدًا بين جماعات وقوى مسلحة متعددة، إلى جانب الانقسام السياسي والمؤسسي الذي جعل الملف الأمني أكثر تعقيدًا.

ليبيا بين وقف إطلاق النار والانقسام السياسي

ورغم توقف العمليات الحربية الكبرى بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه عام 2020، فإن ذلك لم يؤدِ إلى إنهاء جميع مظاهر التوتر والانقسام في ليبيا، حيث ما زالت البلاد تعيش حالة من التنافس بين إدارات وقوى سياسية وعسكرية في الشرق والغرب.

ويُنظر إلى اتفاق وقف إطلاق النار باعتباره محطة مهمة في مسار الأزمة الليبية، لكنه لم ينهِ بشكل كامل حالة الانقسام التي بدأت تتعمق بعد أحداث عام 2014، عندما انقسمت البلاد بين فصائل وقوى متنافسة في مناطق الشرق والغرب.

وبالتالي، فإن أي عملية اغتيال تستهدف شخصية عسكرية بارزة قد تثير مخاوف من إمكانية استغلال الحادث لإعادة إنتاج حالة التوتر الأمني، خصوصًا إذا كشفت التحقيقات عن ارتباط العملية بجماعة مسلحة أو شبكة منظمة تعمل داخل البلاد.

نفوذ الجيش الوطني الليبي في شرق وجنوب البلاد

ويسيطر الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر على مساحات واسعة من شرق وجنوب ليبيا، كما يرتبط بالسلطات الموجودة في مدينة بنغازي، التي تمثل مركزًا سياسيًا وعسكريًا مهمًا في شرق البلاد.

وفي المقابل، تتخذ حكومة الوحدة الوطنية من العاصمة طرابلس مقرًا لها، وتمارس نفوذها على معظم مناطق غرب ليبيا، وهو ما يعكس استمرار الانقسام بين مراكز القوى المختلفة رغم الجهود الدولية الرامية إلى الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.

ويجعل هذا الوضع من الملف الأمني أحد أكثر الملفات حساسية في ليبيا، خصوصًا مع استمرار وجود تشكيلات مسلحة وقوى عسكرية مختلفة، وعدم الوصول حتى الآن إلى صيغة نهائية لتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية تحت سلطة دولة واحدة.

حادث الاغتيال يضع الأمن الليبي أمام اختبار جديد

ويمثل اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية اختبارًا جديدًا للأجهزة الأمنية في شرق ليبيا، ليس فقط بسبب ضرورة كشف منفذي العملية، وإنما أيضًا بسبب أهمية منع تكرار عمليات استهداف الشخصيات العسكرية والأمنية البارزة.

وتتوقف تداعيات الحادث إلى حد كبير على نتائج التحقيقات، فإذا تمكنت السلطات من تحديد الجهة المسؤولة وتقديم المتورطين إلى العدالة، فقد يسهم ذلك في احتواء المخاوف ومنع تصاعد التوتر، بينما قد يؤدي غموض ملابسات العملية إلى انتشار مزيد من التكهنات والاتهامات المتبادلة.

كما أن نجاح التحقيق في تحديد طريقة تنفيذ العملية يمكن أن يساعد الأجهزة الأمنية على اكتشاف الثغرات التي استغلها المنفذون، والعمل على تعزيز إجراءات حماية القيادات والشخصيات التي تشغل مناصب حساسة.

ولا يمكن فصل التطورات الأمنية في ليبيا عن المشهد السياسي العام، إذ إن حالة الانقسام المستمرة تجعل أي حادث أمني كبير قابلًا للتأثير على العلاقة بين الأطراف المختلفة، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصية عسكرية رفيعة المستوى.

وقد تزداد أهمية الحادث إذا أظهرت التحقيقات وجود خلفيات سياسية أو تنظيمية وراء عملية الاغتيال، وهو ما قد يدفع الأطراف الليبية إلى تبادل الاتهامات أو المطالبة بإجراءات أمنية أكثر تشددًا.

لكن التعامل مع الحادث يحتاج إلى انتظار نتائج التحقيقات الرسمية، وعدم بناء مواقف نهائية على التكهنات أو المعلومات غير المؤكدة، خصوصًا في ظل حساسية الوضع الأمني والسياسي في ليبيا.