سلاح التاريخ.. إسرائيل تتجه للاعتراف رسميًا بـ "إبادة الأرمن" نكاية في أنقرة
في خطوة تضرب عمق المحرمات الدبلوماسية التي تمسكت بها تل أبيب لعقود، يعتزم وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، طرح مشروع قرار على الحكومة للاعتراف رسميًا بـ "الإبادة الجماعية للأرمن" على يد الإمبراطورية العثمانية عام 1915، تمهيدًا لإحالته إلى الكنيست للتصويت عليه.
هذه الخطوة، التي أعلن عنها ساعر، لا تأتي كصحوة ضمير تاريخية مفاجئة، بل كـ "تصفية حسابات سياسية متأخرة" وأداة ضغط قصوى في ذروة قطيعة دبوماسية واقتصادية غير مسبوقة بين إسرائيل وتركيا.
جوهر التحرك الإسرائيلي: إنهاء عقود من "التوازنات الحذرة"
لطالما قاومت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة الضغوط الداخلية والدولية للاعتراف بـ "مذابح الأرمن" خوفًا من خسارة تركيا (كشريك إقليمي سابق) وتجنبًا لإغضاب أذربيجان (الحليف النفطي والعسكري الوثيق لتل أبيب وخصم أرمينيا لدود). لكن الانهيار الكامل في العلاقات غيّر الحسابات:
الدوافع الإسرائيلية (المعاملة بالمثل): جاء في نص مسودة القرار المقترح أن الاعتراف "واجب أخلاقي وتاريخي"، مع إدانة واضحة لما وصفته بـ "حملات الإنكار الممنهجة وتزوير التاريخ التي تقودها تركيا".
موقف نتنياهو التمهيدي: يأتي تحرك وزير الخارجية استكمالًا لتصريحات لافتة أدلى بها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حين أعلن شخصيًا اعترافه بـ "الإبادة الأرمنية"، ليكون أول رئيس وزراء إسرائيلي ينطق بهذا المصطلح علنًا، بعد أن كانت الخارجية تكتفي بوصفها "مأساة أو مجازر".
كواليس التوقيت: لماذا الآن؟
ترتبط هذه الخطوة بشكل مباشر بسلسلة من التوترات المتلاحقة التي جعلت خطوط الرجعة بين أنقرة وتل أبيب شبه مستحيلة:
1. حرب "اتهامات الإبادة" المتبادلة
تأتي الخطوة الإسرائيلية كرد فعل انتقامي مباشر على الموقف التركي الصلب؛ إذ لم يتوقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن اتهام إسرائيل بارتكاب "إبادة جماعية" في قطاع غزة، ودعم بلاده للدعاوى القضائية الدولية ضد قادة الاحتلال. وترى تل أبيب أن فتح ملف 1915 هو الرد الأقوى لتجريد أنقرة من "الأخلاقية السياسية" في المحافل الدولية.
2. سلاح المقاطعة الاقتصادية التركي
شهدت العلاقات ضربة قاصمة بعد أن أعلنت تركيا تعليقًا كاملًا لكافة العلاقات التجارية والاقتصادية مع إسرائيل، وإغلاق أجوائها أمام الطائرات الإسرائيلية. وبما أن أوراق الضغط الاقتصادية أصبحت معدومة، لجأت إسرائيل إلى أوراق الضغط السياسية والتاريخية الأكثر إيلامًا للهوية الوطنية التركية.
3. التموضع قبيل التحركات الأمريكية
يأتي التحرك بالتزامن مع ترقب إقليمي لكيفية إدارة واشنطن لملفات المنطقة؛ حيث تحاول إسرائيل استباق أي محاولات لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وأنقرة (خاصة في ملفات مثل صفقة طائرات F-35 لتركيا) عبر تفخيم الخلافات التاريخية.
الاعتراف الإسرائيلي المرتقب بـ "الإبادة الجماعية للأرمن" ليس مدفوعًا بالعدالة التاريخية، بل هو سلاح جيوسياسي جرى سحبه من الغمد بعد أن تهاوت كافة الجسور الدبلوماسية مع أردوغان. وفي لعبة "عض الأصابع" الحالية، تحاول تل أبيب إثبات أن لديها هي الأخرى ملفات تاريخية حساسة قادرة على هز كبرياء أنقرة السياسي.
