لماذا باكستان.. كيف روضت إسلام آباد طموح إيران وتقلب أمريكا ؟
في ربيع عام 2026، كاد العالم أن يحبس أنفاسه وهو يرى الاقتصاد الدولي يترنح على حافة هاوية سحيقة؛ حرب مدمرة تلوح في الأفق بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ومع انسداد القنوات الدبلوماسية التقليدية وتعرّض الوسطاء المعتادين للاستهداف، ظهر لاعب غير متوقع من قلب الأزمة ليقود أرفع مستوى من التواصل المباشر بين واشنطن وطهران منذ عقود.
لم يكن الأمر مجرد مناورة سياسية، بل كان معركة بقاء خاضتها إسلام آباد خلف الكواليس، وتُوّجت في 18 يونيو 2026 بتوقيع مذكرة تفاهم تاريخية لإنهاء الصراع، بفضل "دبلوماسية الهواتف الساخنة" وجنرال باكستاني رفض أن ينام.
لم يكن تحرك باكستان نابعًا من رغبة رفاهية في كسب نفوذ دولي، بل كان هروبًا من كابوس اقتصادي مرعب فرضه إغلاق مضيق هرمز لقرابة 40 يومًا:
فاتورة طاقة خانقة
باكستان تستورد ما بين 85-90% من نفطها من السعودية والإمارات، و99% من غازها المسال من قطر، فكل زيادة بـ 10 دولارات في برميل النفط كانت تكلف الخزانة الباكستانية ملياري دولار إضافية.
شلل داخلي
اضطرت الحكومة الباكستانية لرفع أسعار الوقود 20%، وتحويل المدارس إلى نظام "التعليم عبر الإنترنت"، وتقليص أيام العمل لمواجهة نقص الطاقة.
أزمة خبز وعمالة
أزمة في قطاع الزراعة (الذي يعيل 40% من السكان) بسبب قفز أسعار الأسمدة بـ 50%. وفوق ذلك، واجهت البلاد خطر عودة 1.4 مليون عامل باكستاني من الخليج، مما يعني خسارة مليارات الدولارات من تحويلات المغتربين.
تركيبة طائفية قابلة للانفجار
إلى جانب الاقتصاد، كانت الجغرافيا والديموغرافيا الباكستانية بمثابة قنبلة موقوتة تكاد تنفجر بسبب شرارات الجوار:
حدود بطول 900 كم وذلك يعنى انهيار للأمن في إيران كان سيفيض مباشرة إلى إقليم بلوشستان الباكستاني المضطرب، ويهدد ميناء "غوادر" الاستراتيجي، والمشاريع الصينية، ومصفاة أرامكو المليارية.
الحبل الطائفي المشدود
تضم باكستان ما بين 20 إلى 36 مليون مسلم شيعي، وعقب اغتيال المرشد الإيراني الأسبق آية الله علي خامنئي في بداية الصراع، اشتعلت الشوارع الباكستانية باحتجاجات دموية وصلت إلى محاولة اقتحام القنصلية الأمريكية في كراتشي، مما جعل القيادة العسكرية والسياسية تدرك أن استمرار الحرب يعني نقل الفتنة الطائفية إلى داخل بيتها.
كيف نجحت إسلام آباد ؟
السر يكمن في توليفة فريدة من العلاقات المتناقضة التي أدارتها باكستان بذكاء، حيث أدانت باكستان إسرائيل علنًا لتكسب ثقة طهران، وفي الوقت نفسه كانت قد أعادت بناء جسور قوية مع واشنطن.
استثمرت باكستان علاقتها القوية بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي توجت بعلاقة شخصية وثيقة مع قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير.
لم تتحرك باكستان بمفردها؛ بل نسقت مع بكين لصياغة مبادرة سلام مشتركة من 5 نقاط، ووقعت اتفاقية دفاع مشترك مع السعودية، وتعاونت مع مصر، وقطر وتركيا لتوفير غطاء إقليمي متكامل.
تحولت غرف العمليات في إسلام آباد إلى خلايا نحل لا تهدأ. وتحدثت الصحافة بذهول عن دور الجنرال عاصم منير، الذي كان يقضي الليل بطوله في اتصالات مكثفة ومباشرة مع القيادات الإيرانية، متجاوزًا كل التعقيدات البروتوكولية.
زار منير طهران مرتين، وتنقل بين مراكز القوى الإيرانية المشتبكة (بين الحرس الثوري، ومكتب المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف). وبالتوازي، كان رئيس الاستخبارات الباكستانية، الفريق عاصم مالك، ووزير الداخلية محسن نقوي، ينسجون خيوط التفاوض الأمني بدقة لإقناع طهران بالجلوس على طاولة "لوسيرن" وحفظ ماء وجه الجميع.
لم تكن الوساطة الباكستانية مجرد جولة دبلوماسية عابرة، بل كانت إعادة تمجيد لدور "القوة المتوسطة المسؤولة" في عالم مضطرب. بانتزاعها لهذا الاتفاق التاريخي، لم تحمِ باكستان اقتصادها وحدودها من الانهيار فحسب، بل أعادت تذكير المجتمع الدولي -وخصمها التقليدي الهند بشكل خاص- بأن إسلام آباد تملك من خيوط اللعبة السياسية والأمنية ما لا يمكن تجاوزه.
لقد أثبتت باكستان في صيف 2026 أن النفوذ لا يُقاس دائمًا بوفرة المال، بل بالقدرة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة.. حتى وإن كان العالم بأسره يشتعل.
