تعقيدات داخلية تعرقل مسار التفاهم مع واشنطن.. تصاعد نفوذ الحرس الثوري يعيد تشكيل موازين القرار في إيران
تكشف التطورات السياسية المتسارعة داخل إيران أن العائق الأساسي أمام أي تقدم محتمل في مسار التفاهم مع الولايات المتحدة لا يقتصر على تفاصيل الاتفاق أو بنوده التقنية، بل يمتد إلى بنية النظام السياسي ذاته، في ظل تعقّد موازين القوى بين المؤسسات الرسمية وتنامي نفوذ قوى غير منتخبة، في مقدمتها الحرس الثوري.
وتشير تقديرات دبلوماسية أوروبية مطلعة إلى أن استمرار المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، والتي تعتمد على الوساطات وتبادل الرسائل، يساهم في ترسيخ واقع سياسي داخلي تستفيد منه قوى نافذة داخل النظام، وعلى رأسها الحرس الثوري، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز المستفيدين من إطالة أمد الأزمة وعدم الوصول إلى اتفاق نهائي سريع.
وبحسب هذه التقديرات، فإن استمرار حالة الجمود في المفاوضات يمنح هذه القوى مساحة أوسع لتعزيز حضورها في مفاصل القرار السياسي والأمني والاقتصادي، إلى جانب تقليص هامش الحركة أمام التيارات السياسية الأخرى داخل الدولة، بما يعمّق من اختلال التوازن المؤسسي داخل النظام الإيراني.
وفي السياق نفسه، أثارت تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اهتمامًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية، بعدما دعا إلى ضرورة عدم حصر إدارة الدولة في دائرة ضيقة من المسؤولين وصناع القرار. وقد فسّر مراقبون هذه التصريحات على أنها إشارة غير مباشرة إلى وجود خلل في آليات صنع القرار داخل الجمهورية الإسلامية، وتزايد تأثير مراكز نفوذ غير منتخبة على حساب المؤسسات الرسمية.
ويرى محللون أن هذه التصريحات تعكس حجم التحديات التي تواجهها الحكومة الإيرانية في إدارة الملفات الداخلية والخارجية، خصوصًا في ظل التداخل المعقد بين السلطات الدستورية الرسمية وبين المؤسسات ذات النفوذ الأمني والعسكري، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على قدرة طهران على اتخاذ قرارات استراتيجية موحدة.
كما يشير مراقبون إلى أن أي مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة لن يكون معزولًا عن هذه التوازنات الداخلية، إذ تتداخل الحسابات السياسية والأمنية والاقتصادية في رسم الموقف الإيراني النهائي، ما يجعل الوصول إلى اتفاق مستقر مسألة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه في ظاهرها.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى مستقبل المفاوضات مرهونًا بقدرة النظام الإيراني على إعادة ضبط توازناته الداخلية، وتحديد الجهة صاحبة الكلمة الفصل في ملفات السياسة الخارجية، وهو ما يُعد عاملًا حاسمًا في تحديد مسار العلاقة مع واشنطن خلال المرحلة المقبلة.
