لماذا تراجعت إيرادات الميزانية النفطية رغم قفزة أرباح أرامكو في الربع الأول؟

أرباح تاريخية لأرامكو
أرباح تاريخية لأرامكو

نوهت مواقع الطاقة العالمية وخبراؤها المختصون بتتبع أداء كبرى شركات النفط، بتحقيق شركة أرامكو السعودية أعلى أرباح فصلية في أكثر من عامين خلال الربع الأول من عام 2026.

جاءت هذه النتائج أعلى من كافة توقعات المحللين، مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع أسعار النفط الخام والقدرة العالية للشركة على استمرار التصدير رغم تعطل الملاحة في مضيق هرمز.

قفزت أرباح "أرامكو" بنحو 25.5% خلال الربع الأول لتصل إلى 120.1 مليار ريال، متجاوزة التوقعات البالغة 111.6 مليار ريال، ومسجلة أعلى مستوى منذ الربع الثالث من عام 2023.

يعكس هذا الأداء قدرة فائقة على التكيف مع بيئة جيوسياسية معقدة ناتجة عن التوترات مع إيران، مما عزز مكانة الشركة كأهم مورد للطاقة في العالم وأكثرهم موثوقية.

تظل القارة الآسيوية أولوية أساسية ومحورية للطلب العالمي على خام أرامكو، وهو ما دفع الشركة لضمان تدفق الإمدادات لعملائها هناك رغم التحول الكبير في مسارات الشحن العالمي.

وقد أثبتت النتائج المالية أن أرامكو ليست مجرد شركة نفط، بل هي مؤسسة قادرة على إدارة الأزمات الدولية بمرونة تشغيلية تضمن استقرار الأسواق وعوائد المساهمين في آن واحد.

شريان "شرق – غرب" والجاهزية

لعب خط أنابيب "شرق – غرب" دورًا استراتيجيًا حاسمًا، حيث عمل بكامل طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يوميًا خلال الربع الأول لمواجهة إغلاق مضيق هرمز.

تعتبر أرامكو هذا الخط شريانًا حيويًا يضمن استمرار تدفق النفط والمنتجات إلى الأسواق العالمية، حيث أسهم بفعالية في تخفيف آثار صدمة الطاقة العالمية الناتجة عن الحرب.

استطاعت الشركة مواجهة الاضطرابات عبر تحويل جزء كبير من الصادرات السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، مما وفر مخرجًا آمنًا بعيدًا عن نقاط التوتر الملتهبة.

وعزت الشركة نمو الأرباح إلى زيادة الإيرادات والدخل المتعلق بالمبيعات، رغم ارتفاع تكاليف التشغيل وضريبة الدخل والزكاة بضغط من ارتفاع الدخل الخاضع للضريبة في هذه الفترة.

نمت إيرادات الشركة بنسبة 6.7% لتبلغ 433.1 مليار ريال، ويعود هذا الارتفاع لزيادة أسعار المنتجات المكررة والكيميائية، إضافة إلى ارتفاع كميات النفط الخام المباعة وأسعارها العالمية.

ويؤكد تفعيل خطط استمرارية الأعمال الفوري أن البنية التحتية الاستراتيجية لأرامكو مصممة لتحمل التحديات العالمية المتغيرة، مما مكنها من تحقيق نتائج قوية رغم تأثر بعض المرافق.

أسعار النفط ومستقبل السوق

أدت الاضطرابات الجيوسياسية إلى قفزة كبيرة في سعر خام برنت، الذي وصل إلى قرابة 120 دولارًا للبرميل خلال ذروة التوترات في شهر مارس الماضي.

وبلغ متوسط سعر البرميل 98.2 دولار في الربع الأول، مقارنة بمتوسطات منخفضة في شهري يناير وفبراير، قبل أن يواصل الارتفاع في شهر أبريل ليتجاوز حاجز 101 دولار.

رفعت أرامكو علاوة خام "العربي الخفيف" المتجه إلى آسيا لشحنات مايو إلى 19.50 دولار فوق السعر المرجعي، وهي واحدة من أعلى العلاوات المسجلة في تاريخ قطاع النفط.

ويتوقع المحللون استمرار أسعار النفط عند مستويات تفوق فترة ما قبل الحرب خلال العام الحالي، حتى في حال انتظام حركة الملاحة، وهو ما سيعزز نتائج الشركة مستقبلًا.

رغم هذه القفزة في أرباح أرامكو، تراجعت الإيرادات النفطية في الميزانية السعودية بنسبة 3% لتسجل 145 مليار ريال، نتيجة سياسة الإنتاج الحذرة التي يتبعها تحالف "أوبك+".

إلا أن نمو الإيرادات غير النفطية ساهم في الحد من أثر هذا التراجع، مما يظهر نجاح خطط التنويع الاقتصادي للمملكة بالتوازي مع قوة قطاع الطاقة الاستراتيجي.

تصريحات القيادة المالية

أكد زياد بن ثامر المرشد، النائب التنفيذي للرئيس وكبير الإداريين الماليين، أن الأداء القوي في الربع الأول يعكس قوة التخطيط الاستراتيجي والمرونة الراسخة التي تميز أرامكو.

وأوضح المرشد أن الشركة واصلت التركيز على توفير حلول الطاقة لعملائها مع تحقيق عوائد قوية للمساهمين، مؤكدًا أن النتائج المالية تثبت قدرة الشركة على تقديم قيمة ثابتة.

سارعت أرامكو إلى تفعيل إطار قوي لإدارة المخاطر وبنية تحتية مصممة لتحمل التحديات، مستفيدة من طاقتها التخزينية المحلية والدولية لتأمين احتياجات السوق العالمي.

ويعكس التفعيل الفوري لإجراءات الطوارئ الجاهزية الكبيرة، حيث لم يكن للأحداث الجيوسياسية أثر جوهري على المركز المالي للشركة أو تدفقاتها النقدية خلال هذا الربع.

تستهدف أرامكو ضمان استمرار تدفق الطاقة حتى في ظل الضغوط التي يتعرض لها النظام العالمي نتيجة ضعف الاستثمارات الدولية في القطاع على مدار السنوات الماضية.

وقد أظهرت أحداث الربع الأول من 2026 بوضوح مدى المساهمة الحيوية والقوية للنفط والغاز في أمن الطاقة العالمي واستقرار الاقتصاد في أحلك الظروف السياسية.

رؤية استراتيجية 2026

تضع أرامكو أمن الطاقة كأولوية قصوى، حيث تعمل على سد الفجوة الناتجة عن انخفاض المخزونات العالمية من خلال زيادة الكفاءة التشغيلية والاعتماد على مسارات بديلة.

إن النجاح في الالتفاف على مضيق هرمز عبر خط أنابيب "شرق-غرب" يرسل رسالة قوية للأسواق بأن إمدادات المملكة محصنة ضد التوترات الإقليمية والحروب المفاجئة.

من المتوقع أن يشهد شهر يونيو المقبل زيادة طفيفة في الإنتاج بمقدار 188 ألف برميل يوميًا وفق قرارات أوبك+، مما قد يعزز من حجم المبيعات الإجمالي للشركة.

ومع استقرار الطلب الآسيوي، تواصل أرامكو الاستثمار في قطاع التكرير والكيميائيات لتعظيم القيمة المضافة من كل برميل يتم إنتاجه، مما يضمن تنوع مصادر الدخل داخل الشركة.

في الختام، يمثل الربع الأول من عام 2026 محطة تاريخية في مسيرة أرامكو، حيث أثبتت فيها الشركة تفوقها التقني والإداري في مواجهة أزمات كبرى.

وستبقى هذه النتائج المالية دليلًا على متانة الاقتصاد السعودي وقدرة "عملاق النفط" على قيادة قاطرة الطاقة العالمية نحو الأمان، مهما كانت التحديات والاضطرابات الجيوسياسية.