زحف بشري نحو العاصمة: يافع وأبين ترسمان لوحة الوفاء في ذكرى إعلان عدن التاريخي
شهدت محافظات الجنوب اليمني صباح اليوم الاثنين حالة من الاستنفار الشعبي والزخم الثوري المنقطع النظير، حيث انطلقت مواكب جماهيرية حاشدة من مختلف مديريات يافع ومحافظة أبين صوب العاصمة عدن.
تأتي هذه التحركات الشعبية الواسعة للمشاركة في إحياء الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي، ذلك اليوم الذي شكل منعطفًا جوهريًا في مسيرة القضية الجنوبية ورسم ملامح القيادة السياسية الممثلة للشعب. وتدفقت مئات السيارات والحافلات التي تحمل العلم الوطني الجنوبي وصور القادة، في مشهد يعكس تلاحم الجبهة الداخلية والإصرار على مواصلة المسار الذي اختطه الشعب منذ تسع سنوات.
إن هذا الزحف الشعبي الذي انطلق مع خيوط الفجر الأولى لا يمثل مجرد احتفالية بروتوكولية، بل هو رسالة سياسية بليغة للعالم أجمع بأن الإرادة الشعبية في الجنوب لا تزال ثابتة، وأن التفويض الذي مُنح في ذلك اليوم التاريخي لا يزال ساري المفعول بل ويزداد رسوخًا مع مرور الأيام.
يافع الأبية.. انطلاق المواكب الكبرى وتجديد العهد للقيادة السياسية
من قمم جبال يافع الشاهقة ومديرياتها الثمان، انطلقت المواكب فجر اليوم الاثنين في مسيرة بشرية مهيبة، حيث تجمعت الحشود في نقاط الالتقاء الرئيسية قبل أن تتوجه في خطوط سير منظمة نحو العاصمة عدن.

ويؤكد المشاركون من أبناء يافع أن حضورهم القوي في هذه الذكرى التاسعة هو تجديد للعهد والولاء للقضية التي ضحى من أجلها آلاف الشهداء والجرحى. ولم تقتصر المشاركة على فئة محددة، بل شملت المشايخ والأعيان والشباب والمرأة، في تأكيد على أن "إعلان عدن التاريخي" هو ملك لكل بيت في الجنوب. وتزينت المركبات المنطلقة من يافع بالشعارات الثورية التي تطالب باستعادة الدولة كاملة السيادة، وسط تنظيم أمني وشعبي دقيق لضمان وصول المواكب بسلام إلى ساحات الاحتشاد في العاصمة عدن، حيث يتوقع أن يشكل أبناء يافع رقمًا صعبًا في المليونية المرتقبة اليوم.
أبين تقلب الموازين.. انطلاق مواكب أحور وزنجبار نحو قلب العاصمة
وفي موازاة الزخم القادم من يافع، لم تكن محافظة أبين بأقل حماسًا، حيث انطلق موكب مديرية أحور في وقت مبكر من صباح اليوم متجهًا نحو العاصمة عدن. هذا الموكب الذي يضم المئات من أبناء المديرية والقرى المجاورة يعكس الروح الوطنية العالية التي تتمتع بها أبين، "خاصرة الجنوب".

وفي مدينة زنجبار، عاصمة المحافظة، احتشد أبناء المديريات الوسطى والساحلية منذ الصباح الباكر، حيث تم التنسيق للانطلاق الجماعي نحو عدن مع حلول الساعة الواحدة ظهرًا. هذا التجمع الكبير في زنجبار يهدف إلى توحيد الجهود وجعل الدخول إلى العاصمة عدن دخولًا مهيبًا يعبر عن ثقل محافظة أبين في المعادلة الجنوبية. إن التحام مواكب أبين بمواكب يافع في المداخل الشرقية للعاصمة عدن يرسم لوحة من الوحدة الوطنية التي لطالما سعى الجنوبيون لترسيخها كقاعدة صلبة لمستقبل دولتهم المنشودة.
دلالات الذكرى التاسعة.. لماذا يصر الجنوبيون على إحياء إعلان عدن؟
تمر الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي في ظروف سياسية واقتصادية بالغة التعقيد، مما يجعل من إحيائها بهذا الزخم الشعبي ضرورة استراتيجية. فالإعلان الذي تم في الرابع من مايو من العام 2017 لم يكن مجرد تجمع جماهيري، بل كان الأساس الذي قام عليه المجلس الانتقالي الجنوبي ككيان سياسي يحمل تطلعات الشعب إلى المحافل الدولية. واليوم، يعيد المتظاهرون في العاصمة عدن التأكيد على أن هذا المسار هو المسار الوحيد المعترف به شعبيًا، وأن أي محاولات لتجاوز تطلعات شعب الجنوب ستصطدم بهذه الحشود المليونية.
إن الرسائل التي تحملها المواكب القادمة من أبين ويافع ولحج والضالع وشبوة وحضرموت والمهرة وسقطرى، تهدف إلى إيصال صوت الشعب للمجتمع الدولي والمنظمات الأممية، مفادها أن الاستحقاق السياسي الجنوبي هو مفتاح السلام الدائم في المنطقة، ولا يمكن تجاهل هذه الإرادة الصلبة.
العاصمة عدن.. قلب الجنوب النابض يستقبل مواكب النصر والحرية
مع اقتراب المواكب من مداخل العاصمة عدن، بدأت ملامح الاحتشاد المليوني تتضح في الساحات والميادين الرئيسية، حيث استعدت اللجان التنظيمية لاستقبال الحشود القادمة من مختلف المحافظات. وتوشحت شوارع العاصمة بأعلام الجنوب، ورفعت اللوحات العملاقة التي تخلد ذكرى إعلان عدن التاريخي وتستعرض المنجزات السياسية التي تحققت خلال التسع سنوات الماضية.
وتعيش عدن اليوم حالة من العرس الوطني، حيث يمتزج فيها الفخر بالماضي بالأمل في المستقبل. ومن المتوقع أن يشهد مساء اليوم مهرجانًا خطابيًا وفنيًا حاشدًا، تُلقى فيه كلمات هامة تحدد ملامح المرحلة القادمة وتؤكد على الثوابت الوطنية التي لا تقبل المساومة. إن عدن اليوم تؤكد مرة أخرى أنها العاصمة الأبدية والقلب النابض لكل أبناء الجنوب من المهرة شرقًا وحتى باب المندب غربًا.
