الأربعاء 29 أبريل 2026
booked.net

4 مايو المنعطف الأهم.. كيف غير إعلان عدن التاريخي مسار القضية الجنوبية عالميًا؟

تعبيرية
تعبيرية

بينما تقترب عقارب الساعة من حلول الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي في الرابع من مايو، يتهيأ شعب الجنوب العربي لصناعة ملحمة وطنية جديدة تفوق في رمزيتها كل ما سبق، فهذا اليوم لم يعد مجرد تاريخ عابر في أجندة المناسبات الوطنية، بل صار نداءً مقدسًا للكرامة واستفتاءً شعبيًا حيًا يتجدد كل عام ليؤكد للعالم أجمع أن إرادة الشعوب هي الصخرة التي تتحطم عليها كل المؤامرات.

 حيث تأتي هذه الذكرى في ظل ظروف سياسية واقتصادية بالغة التعقيد، مما يجعل من الاحتشاد الجماهيري المنظم في العاصمة عدن وبقية المحافظات ضرورة قصوى لرفع صوت الحق الجنوبي عاليًا، وإرسال رسائل حاسمة إلى القوى الإقليمية والدولية بأن هذا الشعب لم ولن يتنازل عن حقه التاريخي في استعادة دولته كاملة السيادة، وهو ما يعكس حالة الالتفاف الشعبي غير المسبوقة حول القيادة السياسية التي استطاعت تحويل الأحلام إلى واقع مؤسسي ملموس على الأرض.

جذور الحكاية: كيف نقل 4 مايو القضية الجنوبية من الساحات إلى المؤسسات الدولية؟

يمثل الرابع من مايو المنعطف الأبرز والأكثر تأثيرًا في مسار قضية شعب الجنوب العربي الحديث، وتكمن أهميته الجوهرية في قدرته الفائقة على نقل القضية من مربع الحراك الشعبي والمطالبات الجماهيرية العفوية إلى إطار سياسي مؤسسي صلب تمثل في تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، وتحت قيادة الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، نجح الجنوبيون في بناء حامل سياسي استطاع انتزاع اعتراف المحافل الدولية وفرض ملف القضية الجنوبية على طاولات صناع القرار العالمي بصفته شريكًا أساسيًا ولاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية قادمة، وهذا التحول لم يكن ليحدث لولا الشجاعة التي أبداها القادة في ذلك اليوم التاريخي، والوعي الجمعي للشعب الذي أدرك أن التنظيم المؤسسي هو السبيل الوحيد لمواجهة مشاريع التبعية والاحتلال، وتحويل التضحيات الجسيمة التي قُدمت في الجبهات إلى مكاسب سياسية تحفظ كرامة المواطن الجنوبي وتؤمن مستقبله.

أبعاد السيادة الوطنية وتكريس مبدأ الندية في التعامل مع القوى الخارجية

لا يمكن الحديث عن ذكرى إعلان عدن التاريخي دون التطرق إلى عنصر السيادة الوطنية الذي أرسى قواعده هذا اليوم المشهود، فقد كان الإعلان صرخة صريحة أعلنت انتهاء زمن التبعية المطلقة، وبدأت مرحلة جديدة من فرض الشراكة والندية في كافة المستويات، إن تمسك المجلس الانتقالي الجنوبي بالحق غير القابل للتصرف في استعادة الدولة كاملة السيادة ليس مجرد شعار سياسي، بل هو استراتيجية عمل يومية تهدف إلى حماية مقدرات الجنوب من المهرة شرقًا وحتى باب المندب غربًا، وفي الذكرى التاسعة يجدد الجنوبيون تأكيدهم على أن أي محاولات للالتفاف على تطلعاتهم أو تمييع مطالبهم العادلة عبر افتعال الأزمات المعيشية أو الاقتصادية ستبوء بالفشل أمام صمود هذا الشعب، فالخروج الكبير المتوقع في الساحات هو الرد العملي والوحيد القادر على إحباط الدسائس التي تُحاك في الغرف المغلقة لمحاولة إعادة الجنوب إلى مربعات الهيمنة السابقة.

الزحف الصوب العاصمة عدن: استفتاء متجدد يقطع الطريق أمام المتربصين

تأتي دعوات الاحتشاد في الذكرى التاسعة لتؤكد على جملة من الثوابت الوطنية التي لا تقبل المساومة، وفي مقدمتها تجديد التفويض الشعبي للقيادة السياسية، وهو ما يمنح المجلس الانتقالي القوة الشرعية المستمدة من إرادة الناس في الساحات والميادين قبل أن تكون مستمدة من التفاهمات السياسية، إن زحف الجنوبيين صوب العاصمة عدن يمثل استفتاءً سنويًا متجددًا يقطع الطريق أمام كل المتربصين الذين يحاولون التشكيك في وحدة الصف الجنوبي أو زعزعة الاستقرار الداخلي، وسيكون العالم على موعد مع مشهد يثبت أن الجنوب جسد واحد يجمعه هدف واحد، وأن كل محاولات التمزيق الجغرافي أو الاجتماعي قد تلاشت أمام بريق الهوية الوطنية الجنوبية الجامعة التي صهرت الجميع في بوثقة واحدة خلف راية المجلس الانتقالي والهدف الأسمى المتمثل في التحرير والاستقلال.

تحديات الراهن وقوة الشعب كوقود للثبات والمناورة السياسية

تحل الذكرى التاسعة والجنوب يواجه تحديات كبرى، سواء على الصعيد العسكري في مواجهة الجماعات الإرهابية والميليشيات المتربصة، أو على الصعيد الخدمي والمعيشي الذي يُستخدم كأداة للضغط السياسي ضد الشعب الجنوبي، ولذلك فإن احتشاد الشعب في هذه اللحظة الفارقة هو الوقود الحقيقي الذي يمنح القيادة السياسية القدرة على الثبات والمناورة لانتزاع الحقوق من بين أنياب الأزمات، إن القوة التي يستمدها الرئيس عيدروس الزُبيدي في مفاوضاته الدولية تنبع مباشرة من تلك الحشود التي تملأ ساحة العروض والميادين، وهي الرسالة التي يفهمها الخارج جيدًا بأن تجاوز إرادة هذا الشعب هو درب من المحال، وأن الاستقرار في المنطقة برمتها مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحقيق تطلعات شعب الجنوب العربي العادلة والمشروعة.

مستقبل القضية بعد 9 سنوات من التفويض.. الثبات حتى استعادة الدولة

ختامًا، إن ذكرى 4 مايو هي لحظة للتأمل في حجم الإنجازات التي تحققت رغم شح الإمكانيات وحجم العداء، فقد أصبح للجنوب اليوم جيش يحميه، ومؤسسات تمثله، وصوت مسموع في كل عواصم القرار، وهذا النجاح هو ثمرة التفويض الذي منحه الشعب لقيادته في ذلك اليوم من عام 2017، ومع دخول العام العاشر من هذا التفويض، يزداد الإصرار الشعبي على إكمال الطريق حتى الوصول إلى اللحظة المنشودة بإعلان استقلال الدولة الجنوبية، إن الملاحم التي يسطرها الجنوبيون في الساحات هي الضمانة الأكيدة لحماية المكتسبات الوطنية، وهي الوعد والعهد الذي قطعه الأحياء للشهداء بأن الدماء التي سالت لن تذهب سدى، وأن فجر الحرية قد بات قريبًا جدًا بفضل تلاحم القيادة والقاعدة الشعبية العريضة التي لا تلين ولا تنكسر.