العدالة الناجزة: كيف نجح الأمن السوري في إغلاق ملف سفاح التضامن بعد سنوات من الملاحقة؟

الداخلية السورية
الداخلية السورية

نجحت الأجهزة الأمنية السورية، صباح اليوم السبت 25 أبريل 2026، في وضع حد لرحلة هروب استمرت أكثر من ثلاثة عشر عامًا، بإلقاء القبض على "أمجد يوسف" المعروف إعلاميًا بـ "سفاح التضامن"، المتهم الأول بارتكاب المجزرة المروعة التي وقعت في حي التضامن جنوب دمشق عام 2013.

 وجاءت عملية الاعتقال بعد رحلة تتبع ورصد استخباراتي دقيق انتقلت من العاصمة دمشق إلى مختلف المحافظات، حتى استقر المطاف بالمجرم في منطقة سهل الغاب بريف حماة، حيث نفذت القوات الأمنية عملية محكمة أسفرت عن سقوطه دون مقاومة تذكر، وفور إعلان النبأ، عمت حالة من البهجة العارمة مختلف المدن والقرى السورية، وخرج المواطنون إلى الشوارع موزعون الحلوى احتفالًا بنهاية واحد من أكثر الوجوه دموية في تاريخ النزاعات المسلحة السورية، مؤكدين أن يد العدالة، وإن تأخرت، فإنها لا تخطئ طريقها للقصاص من مرتكبي الفظائع ضد المدنيين العزل.

وأكد وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، عبر منشور على منصة "إكس"، أن اعتقال المجرم أمجد يوسف جاء تتويجًا لجهود مستمرة وعمليات رصد دقيق استمرت عدة أيام في ريف حماة، مشيرًا إلى أن المتهم متورط بشكل مباشر في تصفية أكثر من 500 رجل وامرأة من المدنيين بدم بارد، لافتًا إلى أن الأمن الداخلي كان قد ألقى القبض العام الماضي على عدد من الشركاء المتورطين في ذات المجزرة، والذين أدلوا باعترافات تفصيلية حول سلسلة الإعدامات الجماعية التي نفذت في الحي.

وتأتي هذه الخطوة لتعزز ثقة الشارع السوري في مؤسساته الأمنية وقدرتها على ملاحقة الفارين من العدالة مهما طال الزمن، كما حظيت العملية بدعم دولي، حيث عبر المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك عن تأييده لهذه المهمة، مشددًا على ضرورة محاسبة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة لضمان عدم الإفلات من العقاب في الملفات الحقوقية العالقة.

ذكرى المجزرة

تعود وقائع "مجزرة التضامن" إلى السادس عشر من أبريل عام 2013، عندما قامت عناصر عسكرية تابعة للنظام في ذلك الوقت، يقودها أمجد يوسف، بشن حملة أمنية وحشية ضد المدنيين في حي التضامن جنوب العاصمة دمشق، ووفقًا للتوثيقات الحقوقية الموثقة، جرى اعتقال العشرات من الرجال والنساء العزل، وتعصيب أعينهم وتقييد أيديهم، قبل اقتيادهم إلى مواقع إعدام جماعي معدة مسبقًا، وكانت المشاهد المروعة التي سربت ونشرتها صحيفة "الغارديان" البريطانية في أبريل 2022، قد أحدثت صدمة عالمية، حيث ظهر أمجد يوسف في لقطات فيديو واضحة وهو يجبر المدنيين على الركض نحو حفرة عميقة تكومت فيها الجثث، ليتم إطلاق النار عليهم ليسقطوا فوق بعضهم البعض، قبل أن يتم إحراق الجثث لإخفاء معالم الجريمة، تلك المشاهد التي وثقت مقتل 41 رجلًا في جلسة إعدام واحدة، كانت الخيط الأساسي الذي لم يفلت منه السفاح حتى لحظة اعتقاله اليوم.

إن سقوط أمجد يوسف في عام 2026 يفتح الباب مجددًا أمام فتح ملفات المجازر الجماعية التي روعت السوريين خلال العقد الماضي، حيث يرى المحللون أن اعتقاله يمثل "صيدًا ثمينًا" للعدالة، كونه يمتلك معلومات هامة عن هويات المشاركين الآخرين وسلسلة الأوامر التي أدت لارتكاب هذه الانتهاكات، لقد وصفت المنظمات الحقوقية المحلية هذه الخطوة بأنها انتصار للمظلومين وأهالي الضحايا الذين لم يملوا من المطالبة بالقصاص، مشيرين إلى أن حي التضامن الذي كان شاهدًا على الوحشية بات اليوم يشهد بداية مرحلة جديدة من المحاسبة القانونية، إن تكرار عمليات القبض على المتورطين في مجازر عام 2013 خلال السنتين الأخيرتين يشير إلى وجود توجه حقيقي لتنظيف الملف الأمني من مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، وهو ما يمهد الطريق لاستقرار مجتمعي قائم على سيادة القانون والعدالة الانتقالية.

العدالة والقصاص

يعد اعتقال أمجد يوسف بمثابة رسالة واضحة بأن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم، وأن الدولة السورية في مرحلة ما بعد النزاع تعمل على استعادة هيبة القانون ومحاسبة كل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء، إن العملية التي تمت في سهل الغاب تعكس كفاءة استخباراتية في تتبع الأهداف عالية الخطورة التي تحاول التخفي في المناطق الريفية البعيدة عن الأنظار، وقد أثبتت التحقيقات الأولية أن يوسف كان يحاول تغيير هويته والتنقل بين القرى للتواري عن الأنظار، إلا أن عيون الأمن كانت له بالمرصاد، ومن المتوقع أن تبدأ جلسات محاكمته علنيًا لتكون درسًا لكل من تسول له نفسه المساس بحياة المواطنين أو انتهاك كرامتهم، وتطالب القوى الوطنية بضرورة توثيق اعترافاته لتكون مرجعًا تاريخيًا يمنع تزييف الحقائق حول ما جرى في حي التضامن، ولضمان حقوق ذوي الشهداء الذين انتظروا هذه اللحظة لأكثر من عقد من الزمان.

يظل سقوط "سفاح التضامن" علامة فارقة في مسار العدالة السورية عام 2026، حيث تحول يوم اعتقاله إلى عرس وطني تجسد في توزيع الحلوى والاحتفالات العفوية، إن السوريين الذين عانوا من ويلات الإرهاب والعمليات العسكرية الوحشية يجدون في هذه الخطوة بصيص أمل لبناء مستقبل يسوده الأمان، وتؤكد وزارة الداخلية أن العمل مستمر لتطهير كافة المناطق من بقايا المجرمين الذين استغلوا ظروف الحرب لارتكاب أهواءهم الدموية، لتبقى سوريا دولة قوية بمؤسساتها وقضائها، قادرة على حماية أبنائها واسترداد حقوقهم، ولتكون قصة أمجد يوسف عبرة لكل طاغية ظن أن الهروب يمكن أن ينجيه من قصاص الأرض والسماء، فالحق الذي استرد اليوم بالإيمان والعزيمة هو الضمانة الحقيقية لعدم تكرار مآسي الماضي في حاضر ومستقبل الوطن العزيز.