الجنوب في خارطة السلام الدولي: لماذا لا يمكن تجاوز المجلس الانتقالي اليوم؟
لم يكن تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي مجرد استجابة عابرة لضرورة سياسية فرضتها اللحظة، بل كان إعلانًا صريحًا ومدويًا عن تدشين مرحلة جديدة من "النضج الوطني" تحت القيادة الحكيمة للواء عيدروس بن قاسم الزُبيدي، الذي استطاع بحنكة سياسية فريدة لملمة شتات القوى الجنوبية وتوجيهها نحو هدف استراتيجي موحد، ورغم كل التعقيدات التي شابت المشهد الدولي وتكالب الأزمات المحلية والإقليمية، نجح المجلس في نحت مسار آمن للقضية الجنوبية وسط رمال متحركة، محولًا التطلعات الشعبية من حالة "المقاومة الشعبية" العفوية إلى سياق "الدولة والمؤسسات" المنظمة، وهذا التحول لم يكن ليحدث لولا وجود رؤية ثاقبة تدرك أن بناء الأوطان يتطلب نفسًا طويلًا وقدرة على المناورة السياسية دون التفريط في الثوابت الوطنية التي ضحى من أجلها آلاف الشهداء في سبيل استعادة سيادة الجنوب على كامل ترابه الوطني.
لقد استطاع المجلس الانتقالي أن يخلق توازنًا دقيقًا بين العمل الميداني والتحرك الدبلوماسي، حيث أصبحت عدن اليوم هي المركز الاستراتيجي لقرار الجنوب، ومنها انطلقت أولى خطوات ممارسة السيادة الإدارية والسياسية، إن نجاح المجلس في تجاوز فخاخ الصراعات البينية وترسيخ مبدأ التصالح والتسامح كقاعدة صلبة، هو ما مكنه من الصمود أمام موجات التشكيك وحروب الإشاعات التي حاولت النيل من عزيمته، واليوم يظهر الجنوب ككتلة واحدة متماسكة تمتلك قيادة شرعية قادرة على التحدث باسم الشعب في كافة المحافل، مما أنهى عقودًا من التهميش السياسي والوصاية التي كانت تُفرض على الإرادة الجنوبية من قوى الهيمنة التقليدية التي حاولت طمس هوية الجنوب وإلغاء وجوده السياسي كطرف فاعل في المنطقة.
الاختراق السياسي
على الصعيد السياسي والدبلوماسي، حقق المجلس الانتقالي الجنوبي اختراقًا تاريخيًا غير مسبوق من خلال فرض قضية شعب الجنوب كعنصر محوري وأساسي في معادلة السلام الإقليمي والدولي، ولا يمكن لأي تسوية قادمة أن تكتتب لها النجاح ما لم تكن قضية الجنوب في صدارتها، ومن خلال اتفاق الرياض ومن ثم مشاورات الرياض، استطاع المجلس انتزاع اعتراف رسمي كطرف سياسي شرعي وشريك أصيل في صناعة القرار وتوجيه بوصلة التحالفات، وهذا النجاح السياسي لم يتوقف عند حدود التمثيل الشكلي، بل امتد لترسيخ "الميثاق الوطني الجنوبي" الذي يعد الوثيقة الأهم في تاريخ الجنوب المعاصر، حيث وحدت هذه الوثيقة كافة الرؤى والمكونات السياسية والاجتماعية تحت مظلة واحدة، مما جعل صوت الجنوب مسموعًا في العواصم الكبرى بندية وثبات، ومنهيًا بشكل قاطع حقبة التبعية السياسية.
إن الميثاق الوطني الجنوبي لم يكن مجرد ورقة تفاهم، بل كان بمثابة عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة جنوبية فيدرالية مدنية، تحترم التعددية وتؤمن بالشراكة الوطنية، وقد لمس المجتمع الدولي هذا النضج السياسي من خلال تعامل المجلس بمسؤولية عالية مع الملفات الإنسانية والسياسية المعقدة، ومشاركته الفاعلة في مجلس القيادة الرئاسي لتعزيز جهود مكافحة التمدد الحوثي مع التمسك الصارم بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره، وهذه الندية في التعامل جعلت من الرئيس الزُبيدي رقمًا صعبًا في الطاولات الدولية، حيث لم يعد الجنوب يطالب بحقوق منكسرة، بل أصبح يطرح مشروعًا متكاملًا لبناء دولة مستقرة تكون صمام أمان للملاحة الدولية في باب المندب وخليج عدن، وهو ما عزز من ثقة الحلفاء الدوليين في جدية المشروع الجنوبي وقدرته على الاستمرار.
القوة العسكرية
عسكريًا، تمثلت العبقرية القيادية في إعادة هيكلة القوات المسلحة الجنوبية تحت الإشراف المباشر للرئيس عيدروس الزُبيدي، وهو العمل الذي اعتبر حجر الزاوية في حماية المشروع الوطني الجنوبي من الأطماع الخارجية والتهديدات الإرهابية، وأثبتت القوات الجنوبية عبر سلسلة من العمليات النوعية أنها "شريك موثوق" لا غنى عنه للمجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب، وتأمين الممرات الملاحية الدولية ضد القرصنة والتهديدات، فضلًا عن دورها المحوري في كسر التمدد الحوثي المدعوم من إيران على كافة الجبهات الحدودية، والنجاح في تطهير محافظات الجنوب من العناصر المتطرفة والقاعدة لم يكن ليتحقق لولا وجود قيادة عسكرية محترفة تمتلك رؤية استراتيجية وعقيدة وطنية صلبة، حولت الوحدات القتالية المشتتة إلى جيش منظم وعصري يحمي السيادة ويصون الاستقرار الداخلي.
إن العمليات العسكرية الناجحة مثل "سهام الشرق" و"سهام الجنوب" عكست مدى الاحترافية التي وصلت إليها القوات المسلحة الجنوبية، حيث استطاعت القضاء على بؤر الإرهاب التي كانت تستخدم لزعزعة أمن الجنوب والمنطقة، وهذا الاستقرار الأمني الذي يشهده الجنوب اليوم هو الثمرة المباشرة لتضحيات هؤلاء الأبطال، وقد أدركت القوى الدولية أن استقرار الجنوب يعني استقرار طرق التجارة العالمية، مما دفع الكثير من الدول إلى التنسيق الأمني والعسكري المباشر مع المجلس الانتقالي، ولم تعد القوات الجنوبية مجرد فصائل مسلحة، بل أصبحت جيشًا وطنيًا يمتلك تراتبية واضحة وانضباطًا عاليًا، يضع حماية المواطن وتأمين حدود الدولة المفترضة على رأس أولوياته، مما رسخ هيبة الجنوب ككيان عسكري لا يمكن استهدافه أو تجاوزه.
الإدارة والخدمات
ورغم حرب الخدمات الممنهجة التي تشنها بعض القوى لمحاولة إركاع الشعب الجنوبي وتأليبه ضد قيادته، بذل المجلس الانتقالي الجنوبي جهودًا جبارة لتفعيل مؤسسات العمل الإداري والرقابي، ومن خلال هيئاته التنفيذية المختلفة ومراكز صناعة القرار، عمل المجلس على تعزيز دور الرقابة المجتمعية ودعم السلطات المحلية في العاصمة عدن وبقية المحافظات لتحسين الأداء الإداري رغم شحة الموارد المتاحة وحصار الإيرادات، كما أن تجربة "الإدارة الذاتية" التي أعلنها المجلس في فترة سابقة، كانت درسًا عمليًا بليغًا في القدرة على الإمساك بزمام الأمور وتسيير شؤون المواطنين في أحلك الظروف وأكثرها تعقيدًا، مما رسخ القناعة التامة لدى الداخل والخارج بأن القيادة الجنوبية تمتلك الكفاءات والكوادر القادرة على إدارة مفاصل الدولة القادمة باقتدار.
لقد حرص المجلس الانتقالي على الانحياز الدائم لمعاناة المواطن، مطالبًا المستمر بإصلاح المنظومة الاقتصادية ووقف تدهور العملة، معتبرًا أن تحسين سبل العيش هو جزء أصيل من معركة التحرر الوطني، وبذل المجلس جهودًا مضنية لتأمين الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصحة وفق الإمكانيات المتاحة، مع التركيز على بناء الإنسان الجنوبي وتأهيل الشباب ليكونوا هم وقود الدولة القادمة، إن الرؤية المؤسسية للمجلس تتجاوز مجرد إدارة الأزمات اليومية، لتصل إلى وضع خطط استراتيجية للتنمية المستدامة، واستقطاب الاستثمارات، وإعادة إعمار ما دمرته الحروب، مؤكدًا أن الجنوب يمتلك كافة المقومات الاقتصادية والجغرافية والبشرية التي تجعل منه دولة رائدة في المنطقة فور استعادة سيادتها الكاملة.
آفاق المستقبل
يمكن القول إن النجاحات المتلاحقة التي تحققت بقيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي هي نتاج توازن دقيق ومدروس بين "الحكمة السياسية" في التعامل مع المجتمع الدولي و"الحزم العسكري" في حماية الأرض والعرض، فالتحديات، مهما عظمت ومهما بلغت شدة المؤامرات، لم تزد المجلس الانتقالي إلا صلابة وتمسكًا بالمشروع الوطني، والجنوب اليوم، بفضل هذه القيادة الملهمة، لم يعد مجرد جغرافيا تطالب بحقوقها الضائعة، بل أصبح كيانًا سياسيًا وعسكريًا مهابًا، يمتلك رؤية واضحة المعالم نحو استعادة دولته كاملة السيادة، بروح مؤسسية لا تقبل الانكسار، مؤمنًا بأن فجر الحرية قد اقترب، وأن التضحيات الجسام التي قدمها شعب الجنوب لن تذهب سدى، بل ستكون هي الأساس المتين الذي ستنهض عليه دولة الجنوب الفيدرالية المستقلة التي تلبي طموحات الأجيال القادمة في العيش بسلام وكرامة.
