وحدة القرار الجنوبي: الحصن المنيع الذي تتحطم عليه محاولات التشتيت والإرباك

جنوب اليمن
جنوب اليمن

تشهد قضية شعب الجنوب في هذه المرحلة المفصلية تصاعدًا لافتًا في الجدل السياسي حول ما يُعرف بظاهرة "تفريخ المكونات السياسية"، التي برزت مؤخرًا كأحد أبرز ملامح المشهد العام، مثيرةً تساؤلات عميقة وجوهرية حول دلالاتها وتداعياتها الخطيرة على مستقبل القضية الوطنية، وبين من يحاول تسويق هذه الكيانات زورًا وبهتانًا كتعبير عن حراك ديمقراطي متجدد، وبين الحقيقة الميدانية الصارخة التي تؤكد أنها مؤشر مقلق وممنهج يستهدف تفتيت الصف الجنوبي، تتكشف أبعاد هذه الظاهرة في توقيت بالغ الحساسية، يفرض الحاجة الماسة إلى قراءة تحليلية رصينة تتجاوز القشور السطحية لتصل إلى جوهر الأهداف التخريبية التي تسعى للنيل من وحدة الجنوبيين، وتبرز في الساحة السياسية بمحافظات الجنوب موجة متصاعدة من إعلانات تشكيل كيانات "ورقية" جديدة، لا تملك رصيدًا في الميدان، مما أثار مخاوف واسعة لدى الشارع والمراقبين من انعكاسات هذا التوسع المشبوه على وحدة القرار، في وقت تتطلب فيه المرحلة تماسكًا فولاذيًا لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تحيط بالجنوب ومكتسباته الأمنية والعسكرية.

أهداف كامنة وراء ظاهرة التفتيت الممنهج

تتجه التحليلات السياسية الرصينة إلى قراءة أعمق للدوافع الخفية التي تقف خلف إنشاء هذه المكونات في هذا التوقيت تحديدًا، حيث تبرز عدة أهداف محتملة تسعى القوى المعادية للمشروع الجنوبي لتحقيقها بكل الوسائل، ومن أبرز هذه الأهداف محاولة إعادة تشكيل موازين القوة داخل الجنوب عبر خلق كيانات موازية "هلامية" تسعى لفرض حضورها الوهمي في معادلة التمثيل السياسي، ويهدف هذا الحراك بالدرجة الأولى إلى تشتيت وحدة القرار الجنوبي، بما يؤدي حتمًا إلى إضعاف القدرة على التفاوض كجبهة موحدة صلبة في أي استحقاقات سياسية دولية قادمة تشرف عليها الأمم المتحدة، كما يسعى الممولون لهذه الكيانات إلى خلق حالة من الإرباك السياسي والإعلامي المتعمد، لتعكس للعالم صورة كاذبة عن تعدد المرجعيات وتُضعف وضوح المشروع الجنوبي التحرري وأهدافه الواضحة في استعادة الدولة.

علاوة على ذلك، تهدف هذه السياسة إلى تغذية الانقسامات المناطقية والقبلية عبر استثمار الخلافات البينية البسيطة، وتحويلها إلى أطر تنظيمية متنافسة تنفذ أجندات خارجية مشبوهة، تهدف في جوهرها إلى الحد من تماسك الجنوب وإبقائه في دائرة التنازع الدائم وعدم الاستقرار، إن القوى التي تقف وراء "تفريخ" هذه المكونات تدرك تمامًا أن قوة الجنوب تكمن في وحدته خلف قيادة موحدة، ولذلك فهي تستميت في محاولة صناعة بدائل كرتونية تقتات على فتات التمويل السياسي، وتحاول أن تظهر بمظهر المدافع عن حقوق الجنوب بينما هي في الواقع معاول هدم للمشروع الوطني.

المجلس الانتقالي صمام أمان التمثيل الشعبي

في مقابل هذا التشتت المفتعل والممول، يبرز دور المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره الحامل السياسي والشرعي الوحيد لقضية شعب الجنوب، وهو الكيان الذي لم يأتِ من فراغ بل حظي بتفويض شعبي كاسح في الميادين والساحات، لتمثيل تطلعات أبناء الجنوب بقيادة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي، ويمثل المجلس الانتقالي اليوم نقطة الارتكاز الصلبة في الحفاظ على وحدة المسار السياسي الجنوبي، حيث يرى محللون أن أي تعددية سياسية حقيقية يجب أن تنضوي تحت سقف الثوابت الوطنية وإطار الحوار الوطني الشامل الذي يقوده الانتقالي بمسؤولية تاريخية، لا أن تتحول هذه التعددية إلى أدوات خنجر مسموم في خاصرة المشروع الوطني التحرري.

إن شرعية المجلس الانتقالي نابعة من الميدان، ومن دماء الشهداء والجرحى، ومن صمود القوات المسلحة الجنوبية في جبهات العزة والكرامة، وهي الشرعية الحقيقية التي لا يمكن للكيانات المستنسخة أو "المفرخة" أن تنال منها مهما حظيت بدعم إعلامي مضلل أو مادي خارجي ضخم، فالتاريخ لا يرحم الكيانات الوظيفية التي تُصنع في الغرف المغلقة، بينما الشعب يلتف حول من يمثله بصدق ونضال وتضحية، والمجلس الانتقالي أثبت خلال السنوات الماضية قدرة فائقة على الموازنة بين الفعل الثوري والعمل الدبلوماسي المؤسسي، مما جعله الحصن المنيع ضد محاولات الالتفاف على تطلعات الجنوبيين.

تحديات المرحلة وضرورات الاصطفاف الوطني

يحذر محللون سياسيون من أن استمرار ظاهرة تفريخ المكونات دون رادع وطني ووعي شعبي قد يقود إلى نتائج عكسية كارثية، أبرزها إضعاف الصوت الجنوبي في المحافل الدولية وتراجع القدرة على انتزاع المكاسب الاستراتيجية في طريق استعادة الدولة كاملة السيادة، وبالرغم من أن العمل الديمقراطي يكفل حق التنظيم السياسي، إلا أن هذا الحق يجب أن يكون منضبطًا برؤية وطنية شاملة تضمن عدم تحوله إلى أداة لتنفيذ أجندات القوى التي لا تزال تطمع في نهب ثروات الجنوب وإبقاء شعبه تحت وطأة التبعية والفقر، إن المرحلة الراهنة لا تحتمل مطلقًا الترف السياسي أو المناكفات البينية العقيمة، بل تفرض اصطفافًا وطنيًا عريضًا يضع مصلحة الجنوب العليا فوق كل اعتبار ضيق.

إن حماية المكتسبات التي تحققت بجهود مضنية وتضحيات جسيمة يتطلب من كافة القوى الوطنية الجنوبية تعزيز هيبة المؤسسات الوطنية التي بناها المجلس الانتقالي، والعمل على تطويرها لتكون قادرة على تلبية احتياجات المواطنين، وفي الوقت نفسه، يجب التصدي بحزم لكل المحاولات التي تستهدف شق الصف أو إثارة الفتن تحت مسميات سياسية مخادعة، فالتجربة أثبتت أن وحدة الصف هي السلاح الأقوى في مواجهة التحديات، وأن أي ثغرة في الجدار الجنوبي سيستغلها الأعداء للانقضاض على المشروع التحرري برمته.

وحدة القرار الجنوبي ومستقبل الاستقرار

في ظل هذا المشهد المعقد، تتعالى الدعوات الصادقة والمخلصة إلى تعزيز مخرجات الحوار الجنوبي الشامل، الذي يهدف بوضوح إلى إعادة ترتيب الأولويات الوطنية وترسيخ مبدأ الشراكة الحقيقية بين كافة القوى المؤمنة باستقلال الجنوب واستعادة دولته، ويؤكد مراقبون أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في وجود التعدد، بل في كيفية منع استخدام هذا التعدد كـ "حصان طروادة" لاختراق الصفوف من الداخل لصالح قوى الاحتلال أو الأطماع الإقليمية، إن مستقبل المشهد الجنوبي مرهون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بقدرة القوى الحية على توحيد رؤيتها وتعزيز اصطفافها خلف المجلس الانتقالي الجنوبي، بصفته الكيان الوحيد القادر على قيادة السفينة نحو بر الأمان.

ختامًا، إن حماية قضية شعب الجنوب من محاولات الإضعاف أو الالتفاف في هذه المنعطفات التاريخية المفصلية هي مسؤولية جماعية تقع على عاتق كل جنوبي حر، ويبقى الرهان الأكبر على وعي الجماهير التي أفشلت في السابق مخططات أكبر وأخطر، ليبقى الجنوب قويًا، موحدًا، وصامدًا أمام رياح التآمر مهما بلغت شدتها، فالحقوق التي تُسترد بالتضحيات لا يمكن أن تُسلب بالبيانات الورقية أو المكونات المصطنعة التي ستذروها الرياح بمجرد جفاف منابع تمويلها، بينما سيبقى المشروع الوطني الجنوبي شامخًا كجبال ردفان وشمسان.