الجنوب ينتزع سيادته ويرفض الوصاية: رد حاسم على مشاريع الغرف المغلقة

جنوب اليمن
جنوب اليمن

يشهد المشهد السياسي في الجنوب تحولات متسارعة تبرز في طياتها محاولات متجددة لإعادة تشكيل الواقع السياسي عبر أدوات تقليدية أُعيد تغليفها بمسميات براقة، وذلك ضمن مشروع استراتيجي يستهدف جوهر القضية الجنوبية ومسارها التحرري الذي تعمد بدماء الشهداء. 

وفي ظل هذه التحركات المريبة، تبرز أدوار لجهات تسعى لإعادة إنعاش كيانات هشة تفتقر إلى أي حضور شعبي أو امتداد وطني حقيقي على الأرض، في مسعى يصفه المراقبون بأنه أقرب إلى "إعادة تدوير الفشل" منه إلى صناعة واقع سياسي جديد، حيث تهدف هذه التحركات إلى خلق بدائل وهمية للالتفاف على الانتصارات السياسية والعسكرية التي حققها الشعب الجنوبي خلال السنوات الماضية تحت قيادته الموحدة.

خلفيات التحرك السياسي لإرباك المشهد وتقويض التماسك الجنوبي

إن هذه التحركات السياسية الأخيرة لا يمكن قراءتها كخطوات عابرة أو مبادرات تنظيمية طبيعية تفرضها الحاجة الوطنية، بل تأتي ضمن سياق مدروس بعناية يسعى إلى خلق أطر موازية تُستخدم كأوراق ضغط سياسية في المحافل الدولية والإقليمية. 

والهدف الأساسي من هذه الكيانات هو إرباك المشهد الجنوبي ومحاولة تقويض حالة التماسك الوطني التي تشكلت حول المشروع التحرري بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، برئاسة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي. لقد نجح المجلس الانتقالي في توحيد الإرادة الشعبية ضمن رؤية واضحة لاستعادة الدولة، وهو ما جعل القوى المعادية للجنوب تلجأ إلى تكتيك "تفريخ المكونات" لمحاولة كسر هذه الوحدة الصلبة وإيجاد أصوات نشاز تدعي تمثيل الجنوب زورًا وبهتانًا.

آليات استقطاب الشخصيات الهامشية وتشكيل الكيانات الوظيفية

تعتمد الاستراتيجية المتبعة في صناعة هذه المكونات على استقطاب شخصيات فقدت تأثيرها السياسي منذ أمد بعيد، أو تلك التي ارتبطت مصالحها الشخصية بمراكز نفوذ سابقة كانت معادية لتطلعات الشعب الجنوبي. 

يتم تجميع هذه الشخصيات داخل كيانات شكلية تحمل عناوين فضفاضة وجذابة مثل "التنسيقيات" أو "المكونات الجامعة"، في محاولة بائسة لإضفاء شرعية زائفة على أجسام لا تمتلك أي قاعدة جماهيرية حقيقية. غير أن هذه الكيانات سرعان ما تتكشف حقيقتها أمام الرأي العام باعتبارها "أدوات وظيفية" تُدار من الخارج وتفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقلالية، حيث لا تملك هذه المكونات القدرة على اتخاذ قرار وطني واحد ينبع من مصلحة شعب الجنوب، بل تكتفي بتنفيذ الأجندات التي تُملى عليها مقابل امتيازات شخصية ضيقة.

أهداف الحراك المضلل للمجتمع الدولي وموقف الوعي الشعبي

يتمثل الهدف الأعمق من هذا الحراك السياسي في تسويق صورة مضللة للمجتمع الدولي والمنظمات الأممية، توحي بوجود انقسام حاد داخل الصف الجنوبي، وذلك في محاولة للنيل من شرعية التمثيل السياسي الذي يحظى به المجلس الانتقالي الجنوبي. وتسعى القوى المحركة لهذه الأدوات إلى إيهام العالم بأن هناك رؤى متعددة ومتباينة لمستقبل الجنوب، بهدف إضعاف الموقف التفاوضي الجنوبي في أي تسوية سياسية قادمة. لكن هذه المساعي تصطدم دومًا بواقع مغاير تمامًا؛ فالشعب الجنوبي الذي خاض مسيرة نضالية طويلة وقدم تضحيات جسام، بات يمتلك وعيًا سياسيًا متقدمًا يميّز به بوضوح بين الكيانات التي ولدت من رحم الميدان وتلك التي تُصنع في الغرف المغلقة بإيعازات خارجية، مما جعل من هذا الوعي الصخرة التي تتحطم عليها كل المؤامرات.

سياسة "فرق تسد" التاريخية وفشل الرهان على المكونات الكرتونية

ليس ما يحدث اليوم في الساحة الجنوبية سوى امتداد لنهج قديم استمر لعقود، يقوم على سياسة "فرّق تسد" التي مارستها قوى النفوذ لإبقاء الجنوب في حالة من التشظي الدائم. لقد سعى الخصوم عبر سنوات طويلة إلى تفكيك النسيج الاجتماعي والسياسي الجنوبي من خلال ضخ الأموال وشراء الولاءات وتفريخ المكونات الكرتونية، بهدف منع قيام قيادة موحدة تمثل تطلعات الشعب. غير أن هذه السياسات فقدت فاعليتها وتأثيرها في ظل التحولات الكبرى الراهنة، حيث أفرزت تضحيات القوات المسلحة الجنوبية حالة من التماسك غير المسبوق. إن إعادة إنتاج أدوات الصراع الداخلي عبر هذه الكيانات المصطنعة لن تنجح في إعادة الجنوب إلى مربع الخلافات والتمزق، بل على العكس تمامًا، تسهم هذه المحاولات في تعزيز حالة الالتفاف الشعبي حول القيادة السياسية الشرعية.

القوات المسلحة الجنوبية والضمانات الوطنية لحماية المكتسبات

تبرز القوات المسلحة الجنوبية في هذا المنعطف التاريخي كركيزة أساسية وصمام أمان لحماية المكتسبات الوطنية التي تحققت بفضل دماء الشهداء

. فإلى جانب القيادة السياسية الثابتة، تشكل هذه القوات الحصن المنيع الذي يحمي الإرادة الشعبية من أي محاولات للاختراق أو الالتفاف السياسي.

 لقد تجاوز الجنوب مرحلة القبول بالوصاية من أي طرف كان، وأصبح اليوم أكثر قدرة من أي وقت مضى على فرض إرادته السياسية المستقلة، رافضًا تمرير أي أجندات عبر أدوات محلية مصطنعة. إن القضية الجنوبية اليوم لم تعد مجرد ملف سياسي قابل للمساومة في أروقة الفنادق، بل أصبحت مشروعًا وطنيًا متكاملًا يحظى بإجماع شعبي منقطع النظير، ومن المستحيل تجاوزه أو القفز عليه عبر مكونات ميتة إكلينيكيًا وسياسيًا.

مستقبل الجنوب بين الإرادة الشعبية ومحاولات التزييف السياسي

في ظل المعطيات الراهنة، فإن الإصرار على إحياء كيانات ميتة سياسيًا لن يؤدي إلا إلى نتائج عكسية تمامًا، حيث يزداد إيمان الشعب الجنوبي بضرورة وحدة الصف وترسيخ الثوابت الوطنية. المرحلة الحالية تتطلب مزيدًا من اليقظة والتماسك الداخلي لمواجهة حرب الخدمات وحرب المكونات التي تُشن بالتزامن ضد الجنوب.

 إن استعادة الدولة الجنوبية ليست منحة تُقدم من الخارج، بل هي حق وطني يُنتزع بإرادة شعبية لا تلين وقوة عسكرية تحمي هذه الإرادة. الجنوب اليوم، بقيادته الحكيمة وشعبه الصامد وقواته المسلحة الباسلة، يكتب فصلًا جديدًا عنوانه السيادة والكرامة، مؤكدًا أن كل محاولات الالتفاف لن تغير من الحقيقة التاريخية شيئًا: أن إرادة الشعوب هي الغالبة في نهاية المطاف، وأن قطار الاستقلال قد انطلق ولن يعود للوراء مهما تعددت العقبات.