بين التصعيد والتحكم.. قراءة في استراتيجية واشنطن تجاه إيران
تُظهر التطورات الأخيرة في الحرب الأمريكية على إيران نمطًا واضحًا من التبدل في الأهداف المعلنة والجدول الزمني المتوقع، بما يعكس تأقلم صانعي القرار الأمريكي مع الواقع الميداني وتداعيات الصراع. وقد برز هذا التغير في تصريحات الرئيس السابق دونالد ترامب وكبار المسؤولين، خاصة في ما يتعلق بالإطاحة بالحكومة الإيرانية، إضعاف القدرات العسكرية والنووية، ودعم المصالح الإسرائيلية.
الأهداف الأولية
مع انطلاق العمليات في 28 فبراير 2026، دعا ترامب الإيرانيين إلى تولي زمام الحكم في بلادهم، معتبرًا الهجمات “عمليات قتالية كبرى” وفرصة تاريخية للشعب الإيراني. في اليوم نفسه، ركز على إضعاف الجيش الإيراني ونفوذه، مؤكدًا أن واشنطن ستحرم طهران من القدرة على امتلاك سلاح نووي، وستقضي على الصواريخ الباليستية والأسطول البحري الإيراني، معتبرًا أن تهديدات هذه الأسلحة يمكن أن تصل إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
تغير الجدول الزمني
في 2 مارس، بدا ترامب أكثر مرونة فيما يخص الجدول الزمني للحرب، مشيرًا إلى أنها قد تستمر من أربعة إلى خمسة أسابيع، لكنها قابلة للتمديد حسب الحاجة، مع توفر "إمدادات غير محدودة تقريبًا" من الذخائر الأمريكية. وبالموازاة، أوضح وزير الخارجية ماركو روبيو أن الهجمات الأمريكية جاءت استباقية، بسبب نية إسرائيل مهاجمة إيران، لتقليل الخسائر الأمريكية المحتملة.
التصعيد المستمر والمرونة
في 4 مارس، شدد وزير الدفاع بيت هيغسيث على تدمير الصواريخ الهجومية والبنية التحتية الأمنية الإيرانية، فيما دعا ترامب لاحقًا إلى استسلام غير مشروط لإيران. إلا أنه مع مرور الوقت، بدأ الرئيس السابق يخفف من دعوته للإطاحة بالحكومة الإيرانية (13 مارس)، معترفًا بأن هذا الهدف يشكل عقبة أمام المدنيين غير المسلحين.
غياب الإطار الزمني الصارم
بحلول 19 مارس، أكد هيغسيث أن واشنطن لا تحدد إطارًا زمنيًا محددًا للحرب، وأن قرار إنهاء العمليات العسكرية يعود للرئيس. بعد يوم واحد، أعلن ترامب قرب تحقيق أهداف الحرب، مرجحًا إمكانية إنهاء جهود واشنطن العسكرية في أي لحظة.
تحليل وتقييم
يعكس هذا التبدل في الأهداف والجدول الزمني عدة عوامل رئيسية:
- تأقلم مع الواقع الميداني: تظهر التحولات انعكاسًا لإملاءات الأرض، حيث فرضت التطورات العسكرية الواقعية تعديلات على الخطة الأصلية، بما في ذلك تخفيف الدعوة للانتفاضة الداخلية.
- الضغوط السياسية والدبلوماسية: السعي لتقليل الخسائر الأمريكية والاستجابة لمواقف حلفاء مثل إسرائيل أدّى إلى إعادة صياغة أهداف الحرب بشكل تكتيكي.
- مرونة استراتيجية: غياب إطار زمني صارم للحرب يوفر هامش تحرك أكبر للقيادة الأمريكية، ويتيح ضبط التصعيد حسب النتائج الميدانية والدبلوماسية.
- إدارة الصورة الإعلامية: التباين في التصريحات بين التحفيز على الانتفاضة الداخلية والتخفيف من دعوات الإطاحة بالحكومة يعكس سعي ترامب لإدارة الرأي العام والضغط على القيادة الإيرانية دون فرض تكاليف سياسية كبيرة داخليًا.
ديناميكية الصراع
الحرب الأمريكية على إيران تتسم بتبدل مستمر في الأهداف والجدول الزمني، ما يعكس ديناميكية الصراع وتحديات السيطرة على مساره. هذا الأسلوب المتغير يمنح واشنطن القدرة على المرونة العسكرية والسياسية، لكنه في الوقت نفسه يخلق حالة من عدم اليقين للإيرانيين والمجتمع الدولي، حول مدى وضوح الاستراتيجية الأمريكية في تحقيق أهدافها النهائية.
