د. نشوة عقل: جبر الله كان المحطة الآمنة والملاذ لروحي بعد فقدان السند

د. نشوة عقل
د. نشوة عقل

تعتبر قصة الدكتورة نشوة عقل وكيل كلية الإعلام بجامعة القاهرة وعضو مجلس النواب واحدة من أكثر القصص الإنسانية إلهامًا وتأثيرًا في الوجدان المصري المعاصر حيث كشفت خلال استضافتها في برنامج "كلم ربنا" مع الإعلامي أحمد الخطيب على الراديو 9090 عن تفاصيل مؤلمة لرحلة بدأت بانكسار وانتهت بجبر إلهي لم يكن ليخطر على بال بشر وتروي الدكتورة نشوة كيف بدأت معاناتها عقب تخرجها وحصولها على المركز الثاني على دفعتها بتقدير امتياز فبينما كانت تنتظر التعيين "معيدة" بالجامعة كحق مشروع ومكافأة لتفوقها الذي بذلت فيه الغالي والنفيس جاء قرار الجامعة بتعيين المركز الأول فقط مما شكل صدمة كبرى لها ولوالدها الذي كان مريضًا بالسرطان وكان حلمه الوحيد قبل الرحيل هو رؤية ابنته في سلك التدريس الجامعي إلا أن القدر كان يخبئ لها اختبارات أصعب بكثير من ضياع الوظيفة حيث فقدت والدها الذي مات "بحسرته" حزنًا على ضياع حق ابنته ثم توالت المصائب بفقدان والدتها وثلاثة من إخوتها دفعة واحدة لتجد نفسها وحيدة تمامًا دون سند أو عون بشري في مواجهة حياة قاسية وأبواب مغلقة.

لقد وصفت الدكتورة نشوة تلك المرحلة بأنها كانت حكاية وجع كُتبت بدموعها على أرضية الأتوبيسات الحديدية القاسية وهي تتنقل بين المكاتب والجهات بحثًا عن إنصاف يرفع عنها الظلم الذي وقع عليها ولم تنسَ تلك اللحظة التي خذلها فيها مسؤول كبير في جهة سيادية حينما اعترف بحقها لكنه رفض التدخل لإنصافها بحجة أنها لن تقوى على مواجهة المضايقات التي قد تتعرض لها وهو ما زاد من جراح قلبها وجعلها تدرك أن جميع أبواب البشر قد أُوصِدت في وجهها ولم يبقَ أمامها سوى "باب السماء" الذي لا يُغلق أبدًا وفي تلك الليالي الصعبة كانت مناجاتها للخالق هي المتنفس الوحيد لها حيث كانت تبث وجعها لربها بكلمات تمزق نياط القلوب معاتبة إياه في لحظات ضعفها الإنساني ومتسائلة "أنا أروح فين لو أنت موقفتش جنبي؟" وهي حالة من العبودية الصادقة التي تعكس مدى احتياج الإنسان لربه حينما تنقطع به كافة السبل الأرضية وتتحطم آماله على صخرة الوساطات والمحسوبيات التي حرمتها حتى من حلم العمل كمذيعة في ماسبيرو بدعوى "عدم وجود واسطة" رغم تفوقها اللغوي وحفظها للقرآن الكريم.

الاستجابة الربيعية في ليلة القدر

تتجسد عظمة التدخل الإلهي في قصة الدكتورة نشوة عندما استيقظت في صباح أحد أيام شهر رمضان المبارك على اتصال هاتفي من مدير مكتب عميد الكلية يزف إليها خبر صدور قرار تعيينها "معيدة" بكلية الإعلام وهو الحلم الذي ظنت أنه استحال تحقيقه وبات في طي النسيان وتصف نشوة تلك اللحظة بأنها فرحة العمر التي جعلتها تصرخ بعلو صوتها معلنة أن حلم والدها قد تحقق أخيرًا حتى وإن كان تحت التراب حيث شعرت أن الله استجاب لدموع الانكسار والمناجاة التي صعدت في جوف الليل إن هذا التحول من قمة اليأس إلى قمة الفرح يثبت أن الله يدبر الأمور بحكمة قد لا تدركها العقول في وقت المحنة لكنها تنجلي بوضوح عندما يأتي الفرج ليعوض الصابرين عما فاتهم من سنوات الشقاء والظلم ويعيد لهم اعتبارهم بين أقرانهم وأمام المجتمع وهو ما جعلها تشعر بالخجل من ربها لعتابها السابق له ومشاعر الإحباط التي تملكتها في أوقات المحنة مؤكدة أن جبر الله هو الملاذ الآمن لكل روح تائهة فقدت سندها الدنيوي.

ولم تنتهِ فصول الجبر عند التعيين الأكاديمي فحسب بل إن الأيام دارت دورتها لتبهرها عدالة السماء بمفاجأة كبرى بعد مرور 25 عامًا على تلك الواقعة المريرة حيث تلقت اتصالًا من نفس الجهة السيادية التي سبق وأن خذلها مسؤولها في شبابها ولكن هذه المرة ليتم إبلاغها بقرار السيد رئيس الجمهورية باختيارها عضوًا بمجلس النواب عن فئة المعينين وهو تكريم سيادي رفيع المستوى يعكس مدى تقدير الدولة لكفاءتها وعلمها ولم تجد الدكتورة نشوة ما تفعله أمام هذه الفرحة الطاغية سوى التوجه فورًا إلى قبر والدها لتبكي بين يديه وتخبره أنها لم تخذله أبدًا وأن حقه وحقها قد عاد مضاعفًا بقرار من رئيس الدولة نفسه في مشهد يجسد أسمى معاني الوفاء للأب والارتباط بالجذور والاعتراف بفضل الله الذي يتولى الصابرين من حيث لا يحتسبون.

دروس في اليقين وكفالة الله لليتيم

إن الرسالة الجوهرية التي تقدمها الدكتورة نشوة عقل من خلال تجربتها هي أن الله هو "الضهر والسند" الحقيقي لمن فقد أهله وسنده في الدنيا فقد أدركت بعد سنوات طويلة أن كل تلك الصدمات والمحن لم تكن إلا صقلًا لشخصيتها وإعدادًا لها لتبلغ مناصب لم تكن تحلم بها يومًا فالله الذي تولاها بعد رحيل عائلتها كان يخبئ لها نصرًا مؤزرًا يرد لها اعتبارها أمام كل من خذلها أو استخف بقدراتها وتؤكد في ختام حديثها أنها تشعر بالخجل والندم على كل لحظة فقدت فيها الأمل أو ظنت أن الله قد تركها للظلم موضحة أن الحكمة الإلهية تتطلب وقتًا لتتحقق وأن "الفرج" حينما يأتي ينسي الإنسان كل مرارة ذاقها في طريق كفاحه وهي دعوة صريحة لكل طالب علم ولكل مجتهد تعرض للظلم أن يتمسك بالأمل ويطرق باب الخالق بالدعاء والعمل لأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

تظل قصة الدكتورة نشوة عقل بمثابة منارة للأجيال الجديدة من خريجي كليات الإعلام والشباب الطامح نحو التميز حيث تثبت أن التفوق الدراسي ليس نهاية المطاف بل هو البداية التي تتطلب صبرًا وجلدًا في مواجهة تحديات الحياة والبيروقراطية وأن الإيمان بالذات وبالخالق هو القوة الدافعة الحقيقية لتجاوز المستحيل وباتت نشوة اليوم ليست فقط وكيلة لكلية عريقة أو نائبة في البرلمان بل رمزًا للنجاح الذي طُبخ على نار المحن والابتلاءات وصار مذاقه جبر خاطري إلهي يدركه كل من يقرأ تفاصيل هذه الحكاية الملهمة التي تؤكد أن الله هو العون والمدد الدائم لمن أخلص النية وتوكل عليه حق التوكل في كل سكناته وحركاته وهو ما يتجلى بوضوح في كافة جوانب حياتها الحالية ومكانتها العلمية والسياسية المرموقة.