نجاة الصغيرة وسعاد حسني.. حكاية "بيت الفنانين" الذي أثري الفن المصري

نجاة الصغيرة
نجاة الصغيرة

تظل الفنانة نجاة الصغيرة، المولودة في الحادي عشر من أغسطس عام 1938 بالقاهرة، أيقونة عصية على النسيان في تاريخ الموسيقى العربية، حيث استطاعت بصوتها الدافئ وأدائها الراقي أن تحجز مكانة فريدة في العصر الذهبي للفن.

 نجاة، التي تنتمي لأسرة فنية عريقة بدأت بوالدها الخطاط السوري الشهير محمد حسني البابا وشملت شقيقتها النجمة الراحلة سعاد حسني، بدأت مشوارها الإبداعي في سن مبكرة جدًا لم تتجاوز الخامسة، حين أبهرت الحضور بتقليدها للسيدة أم كلثوم في حفلات نادي الموسيقى الشرقي. لم تكن مجرد طفلة تغني، بل كانت مشروع نجمة استثنائية تنبأ لها الكبار مثل الفكري أباظة بمستقبل باهر، وهو ما تحقق بالفعل حين انطلقت في عالم الاحتراف، مقدمةً مئات الأغاني التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الوجدان العربي، لعل أبرزها "عيون القلب" و"أنا بعشق البحر"، اللتين لا تزالان تترددان في الآذان حتى يومنا هذا رغم اعتزالها الطويل الذي لم يكسره سوى ظهور خاطف يعيد للأذهان زمن الفن الجميل.

أحدث ظهور وإشادة حسام داغر

شهدت الآونة الأخيرة حالة من البهجة بين أوساط الجمهور بعد أن حرص الفنان حسام داغر على نشر مجموعة من الصور الجديدة للفنانة نجاة الصغيرة عبر حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك". داغر، في لفتة مليئة بالتقدير والامتنان، علق على الصور قائلًا: "الست نجاة الصغيرة، ربنا يديها الصحة"، وهو ما أثار تفاعلًا واسعًا من قبل المتابعين الذين انبهروا بإطلالتها الوردية الرقيقة التي تعكس روحها الشابة رغم بلوغها السادسة والثمانين من عمرها. 

هذا الظهور، الذي تزامن مع زيارتها لمقر الهيئة الوطنية للإعلام بالعاصمة الإدارية الجديدة، أعاد التأكيد على المحبة الجارفة التي تتمتع بها نجاة في قلوب المصريين والعرب، حيث تداول نشطاء التواصل الاجتماعي صورها بكلمات مؤثرة تعبر عن اشتياقهم لرؤيتها مجددًا على الشاشة، مؤكدين أن غيابها الجسدي عن الساحة لم يقلل أبدًا من حضورها الفني الطاغي.

عبقرية الأداء وتحدي عبد الوهاب

تميزت مسيرة نجاة الصغيرة بالدقة المتناهية التي تصل إلى حد "الوسوسة" في اختيار الكلمات والألحان، وهو ما جعل كبار الملحنين مثل كمال الطويل ومحمد عبد الوهاب يتسابقون للتعاون معها. وصفها الموسيقار محمد عبد الوهاب بأنها صاحبة "السكون الصاخب"، في إشارة إلى قدرتها على إيصال أعمق المشاعر بأقل قدر من الصراخ الغنائي، بل بهدوء يزلزل القلوب. ومن اللافت في تاريخها أن عبد الوهاب كان قد قدم شكوى رسمية ضده والدها في بداياتها خوفًا على صوتها من التدريبات القاسية، لكنه عاد ليصبح أحد أكثر المؤمنين بموهبتها، حيث لحن لها روائع مثل "لا تكذبي" و"أيظن". نجاة لم تكن مجرد مؤدية، بل كانت شريكة في صنع الأغنية، تتدخل في الكلمات وتطلب تعديل الألحان لتناسب إحساسها الخاص، مما جعل قصائد نزار قباني التي غنتها تحقق انتشارًا مليونيًا فاق مبيعات دواوينه الشعرية في ذلك الوقت.

بين السينما والاعتزال والعودة

لم يقتصر إبداع نجاة على الحناجر فحسب، بل امتد لشاشة السينما من خلال 13 فيلمًا سينمائيًا قدمتها على مدار ثلاثة عقود، كان أشهرها "الشموع السوداء" مع صالح سليم و"جفت الدموع" مع محمود ياسين. في عام 2002، فاجأت نجاة جمهورها بقرار الاعتزال للتفرغ لحياتها الخاصة وتربية ابنها الوحيد وليد، إلا أن عشق الفن ظل ينبض في عروقها، فعدلت عن قرارها جزئيًا في عام 2017 من خلال أغنية "كل الكلام" للشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي. وكان الظهور الأبرز لها مؤخرًا في حفل جوائز "جوي أووردز" بالرياض مطلع عام 2024، حيث تم تكريمها عن مسيرتها الأسطورية، وأدت مقطعًا من أغنيتها الشهيرة "عيون القلب" وسط تصفيق حار ودموع تأثر من نجوم الفن العربي الذين رأوا فيها آخر حبات العقد الفريد من زمن العمالقة.

تكريمات وأوسمة تاريخية

توجت مسيرة نجاة الصغيرة بالعديد من الجوائز والأوسمة الرفيعة التي تعكس قيمتها الفنية الكبيرة، حيث حصلت على وسام من الرئيس جمال عبد الناصر في الستينيات، وأوسمة استقلال من ملوك ورؤساء عرب مثل الملك حسين ملك الأردن والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة. كما نالت جائزة الشاعر سلطان بن علي العويس تحت عنوان "هؤلاء أسعدوا الناس"، وهو العنوان الذي يلخص بدقة ما قدمته نجاة عبر ثمانية عقود من العطاء. إن الحالة الصحية لنجاة، التي تضطرها أحيانًا للسفر لتلقي العلاج، تظل محل اهتمام ومتابعة من جمهورها الذي يدعو لها دومًا بالصحة، معتبرين أن وجودها في الحياة هو بمثابة صمام أمان للفن العربي الأصيل، وذكرى حية لأيام كانت فيها الكلمة واللحن هما الأداة الأقوى للتعبير عن الحب والوطن والجمال.

أبرز الأعمال والمحطات الفنية

تعتبر نجاة الصغيرة حاليًا آخر من بقي على قيد الحياة من المطربين الذين شاركوا في نشيد "الوطن الأكبر"، وآخر من تغنى بألحان الشيخ زكريا أحمد، مما يضع على عاتقها تاريخًا موسيقيًا كاملًا. من أفلامها التي خلدت في ذاكرة السينما "شاطئ المرح" و"ابنتي العزيزة" و"سبعة أيام في الجنة"، حيث كانت تجمع بين التمثيل والغناء بسلاسة منقطعة النظير.

 أما في الغناء، فتظل قائمة تعاوناتها مع بليغ حمدي ومحمد الموجي وسيد مكاوي مرجعًا لكل دارس للموسيقى الشرقية، حيث استطاعت تطويع القصائد الفصحى الصعبة وتحويلها إلى أغانٍ شعبية يرددها البسيط والمثقف على حد سواء، مؤكدة أن الفن الحقيقي هو الذي يتجاوز حدود الزمن والطبقات.