تقرير "هيومن رايتس ووتش": القوات الموالية للحكومة اليمنية استخدمت القوة المفرطة في عدن
كشفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقرير ميداني مطول عن انتهاكات جسيمة ارتكبتها القوات الموالية للحكومة اليمنية خلال شهر فبراير من عام 2026، حيث استخدمت تلك القوات القوة المفرطة والمميتة لفض تظاهرات سلمية في محافظات عدن، وشبوة، وحضرموت.
ووفقًا للتقرير الذي استند إلى مقابلات مع 12 شخصًا من شهود العيان والمتظاهرين، فإن القوات الحكومية أطلقت الرصاص الحي في ثلاثة مواقع على الأقل، مما أسفر عن مقتل ستة أشخاص وإصابة العشرات بجروح متفاوتة، وتأتي هذه الأحداث في ظل حالة الطوارئ التي أعلنها رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي في أواخر ديسمبر 2025، والتي يبدو أنها استُغلت لتبرير ممارسات قمعية تتنافى مع الدستور اليمني والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إن استخدام المدرعات والرشاشات الثقيلة في مواجهة مدنيين يطالبون بحقوقهم السياسية يعكس تراجعًا خطيرًا في ملف حقوق الإنسان، ويضع الحكومة اليمنية أمام تساؤلات دولية حول مدى التزامها بحماية حرية التعبير والتجمع السلمي التي تدعي الدفاع عنها.
أحداث عدن وحصار قصر المعاشيق.. انتهاكات الإجراءات القانونية الواجبة للمحتجزين
شهدت العاصمة المؤقتة عدن في 19 فبراير مواجهات دامية عندما حاول أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي التظاهر بالقرب من القصر الرئاسي، حيث واجهتهم قوات الأمن الحكومية بإطلاق نار عشوائي أدى لمقتل متظاهر وسقوط أكثر من 25 جريحًا، وتؤكد الفيديوهات التي حللتها المنظمة أن قوات الأمن لم تكتفِ بإطلاق النار في الهواء لترهيب الجموع، بل استخدمت الرشاشات المثبتة على المدرعات ووجهتها نحو المتظاهرين الذين كان بعضهم يلقي الحجارة، وبالتوازي مع العنف الميداني.
شنت السلطات حملة اعتقالات طالت 28 شخصًا، جرى احتجازهم في مواقع غير رسمية مثل قصر المعاشيق قبل نقلهم إلى سجن المنصورة، ووثقت "هيومن رايتس ووتش" شهادات لعائلات المعتقلين أكدوا فيها منع أبنائهم من الاتصال بذويهم أو المثول أمام قاضٍ لأكثر من أسبوعين، مما يجعل هذه الاعتقالات تعسفية بامتياز، ورغم صدور توجيهات رئاسية لاحقًا بالإفراج عنهم، إلا أن غياب المساءلة عن فترة الاحتجاز غير القانوني يكرر دائرة الانتهاكات التي ما دام أدانتها الحكومة عندما كانت تصدر عن أطراف أخرى.
مواجهات شبوة وحضرموت.. الرصاص الحي يغتال السلمية في عتق ومطار سيئون
لم تكن محافظتي شبوة وحضرموت بمنأى عن هذه الموجة القمعية، ففي مدينة سيئون أطلقت قوات "درع الوطن" النار لتفريق معتصمين أمام المطار طالبوا بإزالة رموز سيادية، ورغم عدم وقوع قتلى هناك، إلا أن حملة الاعتقالات اللاحقة طالت قادة إعلاميين ومواطنين تم إجبارهم على توقيع تعهدات غير قانونية بعدم التظاهر مستقبلًا، أما في شبوة، فقد كانت الحصيلة هي الأثقل، حيث تحولت مسيرة "عتق" في 11 فبراير إلى اشتباكات مسلحة بعد محاولة المتظاهرين استبدال العلم اليمني بعلم الجنوب فوق المباني الحكومية.ظ
وتشير التحقيقات إلى أن القوات الخاصة الموالية للمحافظ أطلقت النار بكثافة من اتجاهات متعددة، مما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص، وبينما أظهرت بعض اللقطات وجود مسلحين بين المتظاهرين، إلا أن المنظمة شددت على أن ذلك لا يبرر للقوات الحكومية استخدام القوة الفتاكة ضد الحشود السلمية التي كانت تشكل الأغلبية العظمى من المسيرة، وتظل صور الأطفال المصابين في هذه الاشتباكات دليلًا دامغًا على غياب ضبط النفس وخرق معايير إنفاذ القانون الدولية.
المساءلة والعدالة.. ضرورة حتمية لإنهاء دوامة الانتهاكات في جنوب اليمن
تختتم "هيومن رايتس ووتش" تقريرها بمطالبة حازمة للحكومة اليمنية بضرورة إجراء تحقيقات شفافة ومستقلة في كافة حوادث إطلاق النار ومحاسبة المسؤولين عنها، مؤكدة أن الانتقال السياسي في الجنوب لا يمكن أن ينجح على أنقاض حقوق الإنسان، إن الرسالة الموجهة من باحثة المنظمة نيكو جعفرنيا واضحة تمامًا؛ "أفعال الحكومة يجب أن تطابق أقوالها"، فلا يمكن الادعاء بالدفاع عن الديمقراطية بينما يُزج بالمعارضين في السجون ويُقتل المتظاهرون في الشوارع،.
إن استمرار هذه السياسات يهدد بتعميق الشرخ الاجتماعي ويزيد من حالة الاحتقان السياسي في المناطق المحررة، مما يخدم أطراف النزاع الأخرى ويضعف موقف الشرعية دوليًا، ويجب على مجلس القيادة الرئاسي أن يدرك أن المساءلة عن انتهاكات فبراير ليست مجرد مطلب حقوقي، بل هي ضرورة سياسية لضمان الاستقرار، وأنه ينبغي ضمان العدالة لكافة الضحايا بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، لمنع تكرار الانتهاكات التي عانى منها اليمنيون طوال 11 عامًا من النزاع المرير.
