الدبلوماسية الهادئة.. كيف تدير ريم الهاشمي ملفات التعاون الدولي في أوقات الصراعات؟
تعد ريم بنت إبراهيم الهاشمي نموذجًا استثنائيًا في مسيرة الدبلوماسية الإماراتية الحديثة، حيث استطاعت منذ قادت ملف استضافة مدينة دبي لحدث "إكسبو 2020" التاريخي أن تتحول إلى رمز دولي يجمع بين دقة الأرقام وحنكة السياسة، واليوم تجد الهاشمي نفسها أمام اختبار دبلوماسي جديد وبالغ الحساسية في ظل تصاعد حدة التوترات الإقليمية بالمنطقة، خاصة عقب التطورات الأخيرة والهجمات التي طالت المنطقة في أعقاب الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وفي خضم هذه الأجواء المشحونة، برز خطاب الوزيرة ليؤكد على ثوابت السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث شددت بوضوح على أن الإمارات تؤكد حقها الأصيل في الدفاع عن سيادتها وأمنها القومي وفقًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وفي ذات الوقت، وجهت رسالة عقلانية للعالم أكدت فيها أن الدولة لا تسعى لتوسيع رقعة المواجهة العسكرية، بل ترى أن المنطقة في غنى تام عن أي تصعيد إضافي قد يقوض مكتسبات التنمية والاستقرار التي تحققت على مدار عقود، وهو ما يعكس التوازن الدقيق الذي تتبعه أبوظبي في إدارة الأزمات الكبرى.
المسار الأكاديمي والمهني للوزيرة ريم الهاشمي
إن النجاحات التي حققتها ريم الهاشمي لم تكن وليدة الصدفة، بل هي نتاج مسار أكاديمي ومهني مرموق جعل منها واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في الإدارة الحكومية، فقد تسلحت بخلفية تعليمية قوية مكنتها من فهم أعقد الملفات الدولية، حيث تحمل درجة البكالوريوس في العلاقات الدولية واللغة الفرنسية من جامعة "تافتس" العريقة، وأتبعتها بالحصول على درجة الماجستير في الآداب من جامعة "هارفارد" التي تعد من أرقى المؤسسات التعليمية عالميًا، ولم تتوقف طموحاتها الأكاديمية عند هذا الحد، بل توجت مسيرتها بالحصول على درجة الدكتوراه من جامعة "تسينجهوا" الصينية، مما منحها رؤية استراتيجية تجمع بين الفكر الغربي والشرقي، وقد انعكس هذا التميز العلمي على تدرجها المهني السريع، حيث شغلت منصب الملحق التجاري ثم نائب رئيس سفارة الإمارات في واشنطن، قبل أن تنضم إلى مجلس الوزراء برتبة وزيرة دولة في فبراير عام 2008، لتصبح لاحقًا وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي منذ فبراير 2016، متولية بذلك إدارة أحد أهم الملفات التي تربط الإمارات بالعالم الخارجي في مجالات التنمية والإغاثة والسياسة.
إرث إكسبو وإدارة ملفات التنمية المستدامة
ارتبط اسم ريم الهاشمي بشكل وثيق بالنجاح الباهر الذي حققه "إكسبو 2020 دبي"، حيث تولت منصب المدير العام لهذا الحدث العالمي الذي نُظم لأول مرة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب آسيا، واستطاعت من خلال إدارتها المحنكة للمكتب الدولي للمعارض أن تقدم نسخة غير مسبوقة من الإبداع والتعاون الإنساني، واليوم تواصل الهاشمي البناء على هذا الإرث من خلال منصبها كرئيس تنفيذي لسلطة مدينة "إكسبو دبي"، وهي الهيئة التي تُشرف على تحويل موقع الحدث إلى مدينة مستقبلية مستدامة، كما تمتد مسؤولياتها لتشمل رئاسة اللجنة الوطنية لأهداف التنمية المستدامة، حيث تقود عملية مواءمة الأهداف العالمية مع الأولويات الوطنية للإمارات، وهو ما يتكامل مع دورها في رئاسة مجلس إدارة مؤسسة "دبي العطاء" الخيرية التي تستهدف تحسين فرص التعليم في البلدان النامية، مما يجعل من ريم الهاشمي شخصية محورية تجمع بين القوة الدبلوماسية والعمل الإنساني والريادة في التنافسية والإحصاء، وهو الملف الذي أدارته سابقًا لرفع كفاءة البيانات الوطنية على الصعيد العالمي.
الرؤية السياسية والقيادة في أوقات الأزمات
في ظل التحديات الأمنية التي يفرضها ملف مضيق هرمز والتحركات العسكرية في مياه الخليج، تبرز قيادة ريم الهاشمي لمكتب الشؤون السياسية التابع للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم كعنصر استراتيجي في صنع القرار، فالوزيرة التي تشغل أيضًا منصب رئيس مجلس إدارة جامعة السوربون أبوظبي، تدرك أن القوة الناعمة والتعليم هما حائط الصد الأول ضد الفكر المتطرف والتصعيد غير المحسوب، ومع ذلك، فإن تصريحاتها الأخيرة بشأن الهجمات التي تتعرض لها المنطقة تعكس حزمًا دبلوماسيًا لا يلين، فهي تؤكد أن الحكمة لا تعني الضعف، وأن الرغبة في التهدئة تنبع من موقف القوة والحرص على حماية الإنسان، إن قدرة الهاشمي على التحدث بلغة القانون الدولي في المحافل الأممية، مع الحفاظ على الهوية الوطنية الإماراتية، جعلت منها صوتًا موثوقًا لدى المجتمع الدولي، حيث تظل تؤكد أن استقرار الخليج العربي هو ضرورة استراتيجية للعالم أجمع، وأن أي محاولات لزعزعة هذا الاستقرار ستواجه برؤية إماراتية موحدة تجمع بين الحوار السياسي الصادق والجاهزية التامة لحماية السيادة الوطنية من أي تهديدات خارجية.
