لماذا اختارته "باري ماتش" ضمن أفضل عشرة ممثلين في العالم؟.. عبقرية زكي رستم

زكي رستم
زكي رستم

تحل اليوم ذكرى ميلاد أحد أعظم من أنجبت السينما المصرية والعالمية، الفنان القدير زكي رستم، الذي ولد في مثل هذا اليوم من عام 1903، ليكون بمثابة حجر الزاوية في بناء صرح الدراما العربية الرصينة، لم يكن زكي رستم مجرد ممثل يؤدي أدوارًا مرسومة على الورق، بل كان ظاهرة فنية فريدة جمعت بين كبرياء الأرستقراطية وتواضع المبدع الحقيقي، وهو ما جعل مسيرته التي امتدت لعقود طويلة تظل محفورة في وجدان المشاهدين، فرغم رحيله في منتصف فبراير من عام 1972، إلا أن أسلوبه في "الاندماج" لا يزال يُدرس حتى اليوم في معاهد التمثيل، حيث استطاع بملامحه الصارمة وصوته الجهوري وعينيه اللتين تنطقان بكل انفعالات النفس البشرية، أن يقدم نماذج حية للشر والخير والقهر والجبروت، مما جعله يستحق عن جدارة مكانته المرموقة كواحد من أهم عشرة ممثلين في العالم وفقًا لتقييمات الصحافة الدولية التي انبهرت بعبقريته.

نشأة أرستقراطية وتمرد من أجل الفن

ولد زكي محرم رستم في قلب قصر جده بحي الحلمية، ذلك الحي الذي كان يسكنه صفوة المجتمع والأرستقراطية المصرية، ونشأ في بيئة سياسية ووطنية بامتياز، حيث كان والده محرم بك رستم عضوًا بارزًا في الحزب الوطني ورفيقًا لزعماء كبار مثل مصطفى كامل ومحمد فريد، وهو ما كان يفرض عليه مستقبلًا محددًا يسير في ركب العائلة، إلا أن الشاب الذي حصل على البكالوريا عام 1920 قرر أن يضرب بكل هذه التقاليد عرض الحائط، رافضًا إكمال تعليمه الجامعي ليلحق بشغفه الأول وهو التمثيل، هذا القرار لم يمر مرور الكرام، بل تسبب في شرخ عميق مع أسرته وصل إلى حد قيام والدته بطرده من القصر، ليجد نفسه وحيدًا في مواجهة الحياة، لكنه لم يتراجع، بل اتجه إلى الفنان عبد الوارث عسر الذي اكتشف موهبته وضمه لفرق الهواة، لتكون تلك هي الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل التي قادته لاحقًا لفرقة جورج أبيض والفرقة القومية.

مدرسة الاندماج والوصول إلى العالمية

عُرف زكي رستم في الوسط الفني بلقب "رائد مدرسة الاندماج"، وهو اللقب الذي لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة قدرته المذهلة على التوحد مع الشخصية التي يؤديها إلى حد يثير الرعب في نفوس زملائه أمام الكاميرا، ولعل شهادة سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة هي الأبرز في هذا الصدد، حيث كانت تعترف بصدق بأنها كانت تخاف من اندماجه الشديد في الأدوار، خاصة تلك التي تتسم بالعنف أو الجبروت، هذا التميز الفني لفت أنظار السينما العالمية، حيث وصفه المؤرخ السينمائي الفرنسي الكبير جورج سادول بأنه "نسخة مصرية من أورسن ويلز"، كما توجت مجلة "باري ماتش" الفرنسية هذا الإبداع باختياره ضمن أفضل ممثلي العالم، وهو تقدير نادر لم ينله الكثيرون، خاصة وأنه حقق ذلك من خلال أفلامه المصرية الخالصة دون الحاجة للتمثيل بلغات أجنبية، مما يثبت أن صدق الأداء هو اللغة الوحيدة التي تتجاوز الحدود الجغرافية.

المواقف الوطنية ورفض هوليوود

لم تكن عظمة زكي رستم مقتصرة على موهبته التمثيلية فحسب، بل امتدت لتشمل مواقفه الوطنية الصلبة التي تعكس تربيته في بيت وطني غيور، ففي أوج شهرته وتهافت المنتجين عليه، تلقى عرضًا مغريًا من شركة "كولومبيا" الأمريكية لبطولة فيلم عالمي في هوليوود، وهو حلم كان يسعى إليه أي فنان في ذلك الوقت، إلا أن المفاجأة كانت في رفضه القاطع لهذا العرض بعد أن علم أن الفيلم يحمل توجهات معادية للقضايا العربية، معلنًا بوضوح أنه لا يمكنه المشاركة في عمل يسئ لوطنه أو هويته مهما كان العائد المادي أو الشهرة العالمية المنتظرة، هذا الموقف جسد تمامًا شخصية زكي رستم التي لا تقبل المساومة على المبادئ، وفضل أن يظل نجمًا في سماء السينما المصرية، يقدم أعمالًا خالدة مثل "صراع في الوادي"، "الفتوة"، و"الحرام"، بدلًا من أن يكون أداة في يد شركات إنتاج لا تحترم حقوق شعبه.

عزلة العبقري وسنواته الأخيرة

على عكس أدواره القوية والصاخبة على الشاشة، كانت حياة زكي رستم الشخصية تتسم بالهدوء الشديد والميل إلى العزلة، فقد عاش طوال حياته أعزبًا ولم ينجذب لأضواء السهرات أو صخب الوسط الفني، بل كانت حياته مقسمة بدقة بين البلاتوه ومسكنه الهادئ، ولم يكن يفتح باب قلبه أو منزله إلا لعدد محدود جدًا من الأصدقاء المقربين، وعلى رأسهم الفنان سليمان نجيب الذي كان يشبهه في كثير من الصفات، وفي سنواته الأخيرة، بدأت المأساة الحقيقية تلوح في الأفق مع ضعف حاسة السمع لديه، وهو الأمر الذي دفعه لاتخاذ قرار الاعتزال نهائيًا في عام 1968، ليعيش ما تبقى من عمره بين صفحات الكتب التي عشقها، مؤنسًا وحدته بخادم أمين وكلبه الوفي الذي لم يفارقه، حتى وافته المنية إثر أزمة قلبية حادة، تاركًا خلفه ثروة فنية تقدر بحوالي 240 فيلمًا ستظل شاهدة على عبقرية فنان لم يتكرر.

الإرث الفني وتأثيره في الأجيال

يظل زكي رستم النموذج الأسمى للممثل الذي يحترم مهنته ويقدس عمله، حيث كان يذهب إلى التصوير قبل موعده بساعات مرتديًا ملابس الشخصية ومتقمصًا روحها قبل أن يبدأ المخرج في نداء "أكشن"، هذا الإخلاص هو ما جعل أفلامه مثل "العزيمة" و"بائعة الخبز" تعيش لأكثر من نصف قرن دون أن تفقد بريقها، إن دراسة شخصية زكي رستم تكشف لنا عن فنان صهر تجربته الإنسانية المريرة مع تمرد الشاب الأرستقراطي ليخرج لنا نماذج بشرية معقدة، فكان "الباشا" في أرقى صوره و"المعلم" في أقسى تجلياته، واليوم ونحن نحتفي بذكرى ميلاده، ندرك أن السينما المصرية مدينة لهذا العملاق الذي رفع سقف الأداء التمثيلي إلى مستويات عالمية، وأثبت أن الفن ليس مجرد وسيلة للرزق بل هو رسالة تقتضي التضحية بالراحة والجاه والمال في سبيل تقديم كلمة حق وموقف صدق على شاشة السينما.