بصمة خالدة في "أجندة" مكتبة الإسكندرية.. كيف ودعت عروس البحر ابنتها فاطمة مدكور؟

فاطمة مدكور
فاطمة مدكور

فقدت الحركة التشكيلية المصرية والثقافية صباح اليوم الخميس الموافق 5 مارس 2026، واحدة من أبرز رموزها النسائية، برحيل الفنانة التشكيلية القديرة فاطمة مدكور، زوجة الفنان التشكيلي السكندري العالمي عصمت داوستاشي، بعد مسيرة إبداعية ثرية امتدت لأكثر من خمسة عقود، وقد خيم الحزن على أوساط المثقفين والفنانين في مدينة الإسكندرية والقاهرة، ناعين فنانة لم تكن مجرد نحاتة بارعة، بل كانت مؤرخة فنية وخبيرة أثرية ساهمت في صون التراث المصري، وتركت الراحلة خلفها إرثًا فنيًا يجمع بين الأصالة التاريخية والحداثة التعبيرية، مما جعل أعمالها مرجعًا هامًا في دراسة فن النحت المعاصر وعلاقته بالجذور المصرية القديمة والبيئة المحلية.

الجذور والنشأة

ولدت الفنانة الراحلة فاطمة مدكور في قلب مدينة الإسكندرية في 30 مارس من عام 1946، حيث تشبعت منذ صغرها بروح المدينة الساحلية وتاريخها الكوزموبوليتاني العريق، والتحقت بكلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية لتتخصص في فن النحت، وهو المجال الذي برعت فيه وحصلت منه على درجة البكالوريوس في عام 1970، هذا التكوين الأكاديمي الرصين كان حجر الزاوية في انطلاقها نحو العمل الفني الاحترافي، حيث لم تكتفِ بالممارسة الجمالية فقط، بل سعت لتعميق معرفتها بالخامات والتقنيات القديمة، مما مهد لها الطريق للجمع بين العمل الأكاديمي والعمل الميداني في مجال الآثار، وهو ما أضفى على رؤيتها الفنية لاحقًا صبغة تاريخية فريدة تميزت بها عن أبناء جيلها.

خبرة أثرية

 

عقب تخرجها، انخرطت مدكور في مجال ترميم الآثار، حيث عملت في المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية لمدة عشر سنوات متصلة في الفترة ما بين 1972 و1982، هذه الفترة كانت بمثابة معمل حقيقي لدراسة الفنون القديمة وتقنيات النحت الكلاسيكية، مما صقل موهبتها وجعلها تدرك أسرار الكتلة والفراغ، وفي عام 1985، تقلدت منصب رئيس قسم الرسوم الفنية الأثرية بمنطقة آثار غرب الدلتا التابعة لهيئة الآثار المصرية، حيث ساهمت بجهد وافر في توثيق العناصر المعمارية والزخرفية للعديد من المواقع الأثرية، محولة عملها الوظيفي إلى رسالة وطنية وفنية تهدف إلى حماية الهوية المصرية وتوثيق جمالياتها للأجيال القادمة.

الرحلة الفنية

على صعيد العرض الفني، كانت فاطمة مدكور عضوًا فاعلًا في نقابة الفنانين التشكيليين وأتيليه الإسكندرية للكتاب والفنانين، وشاركت في عشرات المعارض التي رصدت تطور تجربتها، ومن أبرز محطاتها الفنية المعرض المشترك الذي أقامته مع زوجها الفنان عصمت داوستاشي عام 1980، والذي عكس حالة من التناغم الفني بين قطبين من أقطاب الفن السكندري، كما توالت معارضها الخاصة في قصر ثقافة الحرية عام 1984 وقصر ثقافة دسوق عام 1985، وصولًا إلى مشاركتها المتميزة في معرض "حوارات الوجوه والأماكن" عام 2019 ومعرض "أجندة" بمكتبة الإسكندرية عام 2022، حيث ظلت حتى الرمق الأخير مخلصة لمرسمها وقادرة على تقديم رؤى بصرية متجددة تدهش المتابعين.

المرأة والرمز

تميزت فلسفة فاطمة مدكور النحتية بتركيزها العميق على قضايا المرأة، حيث لم تكن تنحت الجسد الأنثوي كشكل فيزيائي فحسب، بل كانت تبحث عن الرمز والروح، واشتهرت باستخدام "حركة الشعر" كعنصر تشكيلي أساسي وبنائي في منحوتاتها، محولة إياه إلى خطوط تجريدية انسيابية تعبر عن القوة والنعومة في آن واحد، كما تأثرت أعمالها بعمارة واحة سيوة التقليدية، واستلهمت من بيئتها الفطرية صياغات تعبيرية تجسد المرأة في أدوارها المتعددة كأم حاضنة للحياة ومبدعة ملهمة، هذا المزيج بين التجريد والواقعية التعبيرية جعل من أعمالها أيقونات فنية تحتفي بالأنوثة في أبهى صورها النفسية والاجتماعية.

إرث ثقافي

لم تقتصر إسهامات الراحلة على النحت فقط، بل كانت صاحبة قلم رفيع وفكر نقدي مستنير، حيث حصلت على منحة التفرغ للإنتاج الفني في نهاية السبعينيات، ونشرت مقالات أدبية وفنية في مجلات ثقافية رصينة مثل "الإنسان والتطور" و"أقلام الصحوة"، وفي عام 1984، قدمت للمكتبة العربية كتابًا هامًا بعنوان "قراءة فنية لآثار مصرية" بالتعاون مع الأثري القدير أحمد عبد الفتاح، وهو الكتاب الذي جسد رؤيتها العميقة في الربط بين علم الآثار والذائقة الفنية الحديثة، رحلت فاطمة مدكور جسدًا، لكن أعمالها النحتية وكتبها ومساهماتها في ترميم آثار الإسكندرية ستظل شواهد حية على حياة أفنتها في خدمة الجمال والوطن.