من سوهاج إلى العالمية.. رحلة ناصف ساويرس في بناء أقوى شركة إنشاءات بالشرق الأوسط

رجل الأعمال ناصف
رجل الأعمال ناصف ساويرس

في عالم يضج بصخب منصات التواصل الاجتماعي والظهور الإعلامي المستمر، اختار رجل الأعمال المصري ناصف ساويرس طريقًا مختلفًا عنوانه "العمل في صمت"، هذا النهج مكنه من بناء إمبراطورية مالية واستثمارية ضخمة تجاوزت قيمتها 7.6 مليار دولار، ليتربع بها على عرش أغنى رجال الأعمال في مصر، ولد ناصف في يناير عام 1961 بمحافظة سوهاج، ونشأ في كنف والده الراحل أنسي ساويرس، مؤسس مجموعة "أوراسكوم" العريقة، ورغم انتمائه لعائلة اقتصادية بامتياز، إلا أنه استطاع صياغة شخصية استثمارية مستقلة تميزت بالذكاء الحاد والهدوء والقدرة على قراءة الفرص المستقبلية في الأسواق العالمية قبل غيره، مما جعل اسمه يتردد في كبرى المحافل الاقتصادية الدولية كواحد من أهم المستثمرين الاستراتيجيين في العصر الحديث.

تحول استراتيجي

أحدث ناصف ساويرس ضجة اقتصادية واسعة خلال الساعات الماضية بعد إعلانه الرسمي عن نقل مقر مجموعة "NNS"، التي تمثل مكتب عائلته الاستثماري، إلى سوق أبوظبي العالمية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وتأتي هذه الخطوة الاستراتيجية، التي تنتظر الموافقات التنظيمية النهائية، لتعكس طموحات المجموعة في بناء حصص كبرى في شركات عالمية تمتد عبر أوروبا والشرق الأوسط وأمريكا الشمالية، اختيار أبوظبي كمركز جديد لعملياته يعكس الثقة في البيئة التنظيمية والمالية للإمارات، ويضع المجموعة في قلب التحولات الاقتصادية العالمية، حيث تسعى "NNS" لتوسيع محفظتها الاستثمارية المتنوعة، مستفيدة من الموقع الجغرافي المتميز للعاصمة الإماراتية كحلقة وصل بين الأسواق الشرقية والغربية في ظل التغيرات الجيوسياسية الراهنة.

جذور النجاح

يرى المقربون من ناصف ساويرس أن سر تفوقه يكمن في عدم اعتماده على ثروة والده الجاهزة في بداياته، فبعد تخرجه من جامعة شيكاغو وحصوله على بكالوريوس الآداب والعلوم، انخرط مباشرة في العمل الميداني بشركة والده للإنشاءات وهو في الحادية والعشرين من عمره، هذا الاحتكاك المباشر بمواقع العمل أضاف له فلسفة خاصة في إدارة الـ "بيزنس"، حيث تعلم أصول المهنة من القاع وصولًا إلى القمة، وبفضل براعته الإدارية، تولى منصب الرئيس التنفيذي لشركة "أوراسكوم للصناعات الإنشائية" في عام 1998، لينجح خلال فترة وجيزة في تحويلها من شركة محلية إلى عملاق دولي يمتلك مكاتب في مختلف قارات العالم، محققًا إيرادات سنوية بلغت 3 مليارات دولار بحلول عام 2010.

ريادة إقليمية

تحت قيادة ناصف، تحولت العلامة التجارية للشركة إلى "أوراسكوم كونستراكشن"، لتهيمن على قائمة أقوى شركات الإنشاءات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وفقًا لتصنيف مجلة "فوربس" العالمية، وتركزت مشروعات الشركة على قطاعات حيوية تشمل البنية التحتية، والصناعة، والتجارة، مع وجود قوي في أمريكا ومنطقة المحيط الهادئ، ولم يقتصر نشاطه على مصر فقط، بل كان له بصمة واضحة في المملكة العربية السعودية من خلال مشاريع عملاقة مثل "مسار مكة" بقيمة 1.8 مليار دولار، وتطوير مصفاة الجبيل ومطار بيشة، وبحسب أحدث التقارير، فإن حجم المشروعات تحت التنفيذ للشركة وصل إلى 7 مليارات دولار، ويرتفع إلى نحو 9.8 مليار دولار مع إضافة نصيب الشركة في مجموعة "BESIX" العالمية.

طموح رياضي

لم يتوقف طموح ناصف ساويرس عند حدود الأسمنت والحديد، بل امتد ليشمل قطاع الاستثمار الرياضي الذي بات صناعة عالمية رابحة، حيث استحوذ على حصة قدرها 55% من نادي "أستون فيلا" الإنجليزي، في صفقة وصفتها الصحافة البريطانية بالتاريخية، ورأت فيها جماهير النادي العريق طوق نجاة للعودة إلى منصات التتويج والمنافسة في الدوري الإنجليزي الممتاز (البريميرليج)، وبفضل إدارته الحكيمة وضخه للاستثمارات في صفقات اللاعبين وتطوير البنية التحتية للنادي، استعاد أستون فيلا مكانته كواحد من الفرق القوية التي يخشاها الكبار، مما أثبت أن عقلية ساويرس الاستثمارية قادرة على النجاح في أي مجال تقتحمه، سواء كان ذلك في الهندسة الإنشائية أو في ملاعب كرة القدم العالمية.

رؤية مستقبلية

يمثل ناصف ساويرس اليوم نموذجًا لرجال الأعمال الذين يجمعون بين الأصالة في العمل والقدرة على التكيف مع المتغيرات الحديثة، فبينما يواصل شقيقاه نجيب وسميح ساويرس نجاحاتهما في مجالات الإعلام والعقارات والسياحة، يبقى ناصف هو المحرك الصامت لقطاع الإنشاءات والاستثمارات المالية الكبرى، وتعتبر خطوة الانتقال إلى أبوظبي وتوسيع قاعدة الاستثمارات في أمريكا الشمالية بمثابة انطلاقة جديدة نحو آفاق غير محدودة، فثروة الـ 7.6 مليار دولار ليست مجرد رقم في البنوك، بل هي نتيجة لعقود من التخطيط والمخاطرة المحسوبة، مما يجعله مرجعًا ملهمًا للشباب الطامح في بناء قصص نجاح تتجاوز الحدود الجغرافية وتصمد أمام تقلبات الاقتصاد العالمي بصلابة وثبات.