مركز معلومات مجلس الوزراء يرصد تحذيرات "فيتش" من تدهور الأمن البحري
سلط مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري الضوء على تقرير حديث ومطول لوكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني، يتناول التداعيات الخطيرة للتصعيد العسكري واسع النطاق في منطقة الشرق الأوسط عقب الهجمات الأخيرة.
وأشار التقرير إلى أن الأمن البحري والتجارة عبر الخليج العربي ومضيق هرمز شهدا تدهورًا حادًا، مع امتداد هذه التأثيرات لتشمل البحر الأحمر، ما أدى إلى تغيير هيكل المخاطر العالمي وتحويله نحو "صدمة ممنهجة" تطال سلاسل التوريد، وتضغط بشكل غير مسبوق على مسارات التأمين وتوافر السفن ودورات المخزون السلعي.
وفي تطور أمني لافت، أعلنت البحرية الأمريكية إنشاء "منطقة تحذير بحري" واسعة النطاق تشمل الخليج العربي وخليج عُمان وبحر العرب الشمالي وأجزاء من البحر الأحمر، معلنةً صراحةً عدم قدرتها على ضمان سلامة الملاحة التجارية داخل هذه النطاقات. هذا الإعلان دفع شركات الشحن العالمية إلى تبني سلوك "الحذر المتطرف"، حيث نصحت السفن بالابتعاد مسافة لا تقل عن 30 ميلًا بحريًا عن القطع الحربية الأمريكية، ما أدى إلى ارتباك في جداول الإبحار وزيادة هيكلية في تكاليف الشحن وأقساط مخاطر الحرب التي تراجعها شركات التأمين بشكل يومي لمواكبة التطورات الميدانية.
ويُعد مضيق هرمز المحور الأكثر حساسية في هذه الأزمة، كونه الممر الحيوي لنحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات المكررة، وهو ما يمثل حوالي 20% من الإمدادات العالمية. ورغم وجود مسارات بديلة عبر أنابيب النفط في السعودية والإمارات، إلا أن وكالة "فيتش" أكدت أن هذه البدائل لا تغطي سوى جزء ضئيل من التدفقات ولم تُختبر كفاية تحت وطأة صراع ممتد، فضلًا عن كونها تظل عرضة للمخاطر الجغرافية، مما يعني أن أي تعطل مستدام في المضيق سينعكس فورًا على منحنيات الأسعار العالمية ومدخلات الصناعة، خاصة في قارتي آسيا وأوروبا.
وتعتبر القارة الآسيوية "نقطة التعرض الرئيسية" لهذه الصدمة، إذ يتجه نحو 80% من النفط العابر لهرمز إلى مشترين آسيويين، وتأتي الصين والهند واليابان في مقدمة الدول المتأثرة. إن أي انقطاع فعلي، ولو كان قصيرًا، يتسبب في تشديد فوري لموازنات إمداد المصافي الآسيوية ويرفع تكاليف الشراء بشكل حاد، مما يجبر هذه الدول على إعادة ترتيب جداول ناقلاتها عبر المحيط الهندي، وهو ما يضيف أعباء مالية ولوجستية ضخمة على اقتصادات ناشئة تعتمد بشكل كلي على استقرار تدفقات الطاقة من منطقة الخليج.
ولم يتوقف الأمر عند الملاحة البحرية، بل امتدت الصدمة لتشمل "الشحن الجوي" في واحدة من أكبر عمليات إغلاق الطيران الإقليمي منذ سنوات. فقد أغلقت أو قيدت ثماني دول على الأقل، منها دول خليجية ومحورية، مجالاتها الجوية فور بدء الضربات، مما أدى لإلغاء نحو 868 رحلة في يوم واحد وفقًا لبيانات "سيريم".
هذا الإغلاق أجبر شركات الشحن الجوي على استخدام ممر سعودي-عُماني ضيق، ما أضاف ساعات طيران إضافية ورفع استهلاك الوقود بمعدل 7500 دولار للساعة الواحدة للطائرات عريضة البدن، وهو ما يعطل الاتصال بين أوروبا وآسيا عبر مراكز الخليج الحيوية مثل دبي والدوحة وأبو ظبي.
وفيما يتعلق بالبحر الأحمر، أشارت "فيتش" إلى أن قوات الحوثيين استأنفت حملتها ضد الملاحة عقب الضربات على إيران، مما يرفع احتمالية عودة المنطقة كبؤرة اضطراب نشطة تشمل مخاطر التشويش الإلكتروني وسوء التعريف.
وأوضحت أن التفاف السفن حول رأس الرجاء الصالح بدلًا من قناة السويس يضيف ما بين 10 إلى 14 يومًا للرحلة الواحدة، ما يؤدي لتعطل الأصول وتراكم الانبعاثات الكربونية وارتفاع أسعار الحاويات، وهي تداعيات تتراكم سريعًا لتخلق موجة تضخمية عالمية جديدة تطال السلع الاستهلاكية والطاقة على حد سواء.
وطرح التقرير سيناريوهين لمستقبل الصراع؛ الأول "صراع قصير" يتضمن ذروة اضطراب حادة يعقبها عودة تدريجية متأخرة وتعديل مؤقت للمسارات، أما السيناريو الثاني فهو "صراع مطول" يؤدي إلى فقدان هيكلي في القدرة الاستيعابية.
وفي حالة السيناريو الثاني، ستجد شركات النقل نفسها مضطرة للإبحار في منطقتين عاليتي الخطورة (هرمز والبحر الأحمر) في آن واحد، ما سيجعل التغطية التأمينية غير متاحة أو باهظة الثمن بشكل انتقائي، وهو وضع يهدد بشل حركة التجارة الدولية في واحد من أهم الممرات المائية في العالم، ويضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار هو الأصعب منذ عقود.
ختامًا، يبرز رصد مركز المعلومات لمثل هذه التقارير الدولية حرص الدولة المصرية على تحليل المخاطر المحيطة بالاقتصاد القومي والإقليمي. فاستمرار التوتر لا يعني فقط ارتفاع أسعار الوقود، بل يعني إعادة تشكيل خارطة التجارة العالمية بعيدًا عن الاستقرار الذي ألفته الأسواق، ما يتطلب من الدول والمؤسسات وضع خطط طوارئ مرنة للتعامل مع واقع يتسم بالسيولة الأمنية والتقلبات الاقتصادية العنيفة التي قد تستمر آثارها لفترات طويلة حتى في حال توقف العمليات العسكرية.
