القصة الكاملة لرحيل كيتي.. كيف قضت "فراشة السينما" سنواتها الأخيرة بعيدًا عن الأضواء؟

الفنانة كيتي
الفنانة كيتي

في هدوء تام بعيدًا عن صخب الكاميرات وبريق الشهرة الذي صاحبها لسنوات طويلة، رحلت عن عالمنا صباح أمس الفنانة والراقصة كيتي، المعروفة بلقب "عفريتة إسماعيل ياسين"، عن عمر ناهز 96 عامًا في اليونان، وقد شكل هذا الخبر صدمة كبيرة لعشاق السينما المصرية الكلاسيكية، بعد أن تضاربت الأنباء لسنوات طويلة حول مصيرها، حيث ظن البعض أنها توفيت في الثمانينيات، إلا أن الحقيقة تجلت اليوم بتأكيدات رسمية من أفراد أسرتها والمقربين منها في اليونان، لتسدل الستار على حياة واحدة من أكثر الشخصيات الفنية غموضًا وإثارة للجدل في تاريخ الفن المصري، تلك الفنانة التي ولدت في الإسكندرية وعاشت مجدها في القاهرة ثم اختارت العزلة الاختيارية في موطنها الأصلي اليونان.

تأكيدات رسمية من اليونان وكواليس إعلان الخبر

لم يكن خبر وفاة كيتي مجرد شائعة عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل جاء موثقًا عبر اتصالات مباشرة أجراها المقربون، حيث تواصلت المصادر الصحفية مع الكاتب والباحث كريم كمال، أحد أفراد أسرتها المقيمين في اليونان، والذي أكد بدوره صحة النبأ نقلًا عن الدكتور مانوليس تاسولاس، الطبيب والكاتب اليوناني الذي كان مرافقًا لها في سنواتها الأخيرة، وأوضح كمال أن كيتي كانت تعيش حياة هادئة جدًا، بعيدة كل البعد عن صخب الإعلام العربي واليوناني على حد سواء، مفضلة أن تظل صورتها الشابة والجميلة هي الراسخة في أذهان جمهورها، وهو ما يفسر رفضها القاطع لجميع محاولات الظهور التلفزيوني التي عرضت عليها من كبار الإعلاميين.

النشأة السكندرية والبداية في محراب الفن المصري

ولدت كيتي فوتساكي في 21 فبراير عام 1930 بمدينة الإسكندرية، تلك المدينة التي كانت حينها بوتقة تنصهر فيها الثقافات والجنسيات المختلفة، ومن قلب الإسكندرية بدأت كيتي تشق طريقها نحو الرقص الاستعراضي والتمثيل، متميزة بليونة جسدية وحضور طاغٍ جعلها القاسم المشترك في أنجح أفلام الكوميديا بالخمسينيات، ورغم أصولها اليونانية، إلا أنها كانت تتحدث وتتصرف كابنة بلد مصرية أصيلة، مما ساعدها في الاندماج سريعًا داخل الوسط الفني، حيث شاركت في عشرات الأفلام الأبيض والأسود، وكان أبرزها سلسلة أفلامها مع النجم الكوميدي إسماعيل ياسين، التي منحتها لقب "العفريتة" نظرًا لخفتها وحركاتها الاستعراضية المبهرة.

لغز الاختفاء المفاجئ ورفض العودة للأضواء

في أواخر الخمسينيات، وبينما كانت في أوج توهجها الفني، بدأت كيتي تنسحب تدريجيًا من المشهد السينمائي لأسباب ظلت غامضة لعقود، وقد تداولت الشائعات قصصًا كثيرة حول هذا الاختفاء، إلا أن المقربين منها أكدوا أنها فضلت العودة إلى اليونان والعيش هناك بسلام، وخلال تلك السنوات الطويلة، حاول الفنان الراحل سمير صبري، المعروف ببحثه عن النجوم الغائبين، الوصول إليها وإقناعها بالظهور في برامجه، كما حاول الإعلامي وائل الإبراشي القيام بالأمر نفسه، إلا أن كيتي كانت تقابل هذه العروض برفض تام، متمسكة بوصيتها بأن يذكرها الناس كما كانت في شبابها، وهي الوصية التي احترمها المقربون منها حتى اللحظات الأخيرة.

شهادة محمد الشماع وصورة الكبر الممنوعة

من جانبه، كشف الكاتب الصحفي محمد الشماع عبر حسابه الشخصي كواليس تواصله مع الفنانة الراحلة خلال الخمس سنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن التحقيق الاستقصائي الذي نشره سابقًا كان سببًا في فتح قنوات اتصال معها، وأكد الشماع أن كيتي كانت حتى أيامها الأخيرة محافظة للغاية على صحتها وعقلها وتوقد ذكرياتها، مشيرًا إلى أنها كانت تحمل حبًا خاصًا لمصر وتعتبر نفسها جزءًا من تاريخ هذا البلد، وبمناسبة وفاتها، تم التنويه عن وجود صورة لها في سن الكبر، لكن جرى التأكيد على احترام وصيتها بعدم نشر مثل هذه الصور تفعيلًا لرغبتها الشخصية، مع التخطيط لعمل توثيقي كبير يليق بمسيرتها والمعلومات الثمينة التي تم جمعها عنها.

الحياة الخاصة والرحيل الهادئ لـ "فوتساكي"

تزوجت الفنانة كيتي لفترة من المخرج المصري الكبير حسن الصيفي، وهو ما عزز من تواجدها الفني وقدمها في قوالب سينمائية متنوعة، إلا أن هذا الزواج لم يمنعها من اتخاذ قرار الانقطاع التام عن العمل الفني في منتصف الستينيات والهجرة النهائية، واليوم، برحيل كيتي فوتساكي، يفقد الفن المصري واحدة من آخر حبات العقد الذهبي لزمن الفن الجميل، تلك الفنانة التي كانت تجسد روح البهجة والشقاوة على الشاشة، ورحلت وهي تحمل في قلبها ذكريات الإسكندرية والقاهرة، تاركة خلفها إرثًا سينمائيًا سيظل يذكرنا دائمًا بـ "عفريتة" السينما التي لم يطوِ الزمان ذكرها رغم غيابها الطويل خلف البحار.