ما لا تعرفه عن فهمي عمر.. المذيع الذي ارتبط اسمه بحفلات "كوكب الشرق"

فهمي عمر
فهمي عمر

شهدت قرية "الرئيسية" التابعة لمركز نجع حمادي بمحافظة قنا، يومًا حزينًا سيبقى محفورًا في ذاكرة أبناء الصعيد، حيث توافد الآلاف لتشييع جثمان الراحل الكبير فهمي عمر، الملقب بـ "شيخ الإذاعيين"، في جنازة مهيبة عكست حجم الحب والتقدير الذي يتمتع به هذا الرمز الوطني. حُمل الجثمان على الأكتاف وسط هتافات "الله أكبر" التي رددها المشيعون من أبناء القرية والقرى المجاورة، الذين خرجوا لوداع ابنهم الذي شرفهم في كافة المحافل الإعلامية والسياسية. ولم تكن الجنازة مجرد وداع لشخص، بل كانت تكريمًا لمسيرة مهنية وإنسانية امتدت لعقود، وضع خلالها فهمي عمر حجر الأساس للإعلام الحديث في مصر، وظل متمسكًا بجذوره الصعيدية الأصيلة حتى اللحظات الأخيرة من حياته التي اختتمها في مسقط رأسه وبين أهله.

رحلة الـ 37 عامًا خلف ميكروفون الإذاعة المصرية

ولد فهمي عمر في السادس من مارس عام 1928، وبدأ مشواره مع الميكروفون في مطلع الخمسينيات، ليمضي 37 عامًا من العمل الدؤوب داخل أروقة الإذاعة المصرية. تدرج عمر في المناصب بفضل موهبته الفذة وصوته الرخيم وثقافته الواسعة، حتى وصل إلى قمة الهرم الإذاعي بشغله منصب رئيس الإذاعة المصرية في الفترة من عام 1982 وحتى تقاعده في عام 1988. 

خلال هذه الرحلة الطويلة، لم يكن مجرد موظف أو مسؤول، بل كان صانعًا للمحتوى ومكتشفًا للمواهب؛ حيث ارتبط اسمه ببرامج كانت وما زالت تمثل علامات فارقة في تاريخ الإذاعة، مثل برنامج "مجلة الهواء" الذي كان نافذة ثقافية وإخبارية رائدة، وبرنامجه الشهير "ساعة لقلبك" الذي منح الفرصة لظهور جيل كامل من عمالقة الكوميديا في مصر والوطن العربي.

رفيق أم كلثوم وصانع البهجة في "ساعة لقلبك"

تعتبر علاقة الراحل فهمي عمر بكوكب الشرق أم كلثوم من المحطات المضيئة في مسيرته، حيث كان المذيع المختار لتقديم ثلاث من حفلاتها الغنائية الأسطورية، وهو دور لا يُمنح إلا لمن يمتلك لغة عربية رصينة وحضورًا طاغيًا يليق بعظمة الحدث.

 وبالتوازي مع هذا الجانب الطربي، برع فهمي عمر في فن المنوعات والكوميديا، فكان برنامجه "ساعة لقلبك" هو المدرسة التي تخرج منها نجوم مثل فؤاد المهندس، عبد المنعم مدبولي، وخيرية أحمد. لقد استطاع فهمي عمر بذكائه الفني أن يمزج بين الجدية والترفيه، وبين الثقافة الرفيعة والروح الشعبية المصرية، مما جعل صوته رفيقًا دائمًا لكل أسرة مصرية، ومصدرًا للبهجة والمعرفة في آن واحد، وهو ما يفسر الحزن العميق الذي ساد الوسط الإعلامي فور إعلان رحيله.

من الإعلام إلى السياسة.. 15 عامًا تحت قبة البرلمان

لم يتوقف عطاء فهمي عمر عند حدود العمل الإذاعي، بل امتد لخدمة المجتمع من خلال بوابة السياسة والعمل النيابي. فعقب تقاعده من رئاسة الإذاعة عام 1988، قرر خوض غمار الانتخابات البرلمانية، ليمثل أبناء دائرته في محافظة قنا بمجلس النواب منذ عام 1987 وحتى عام 2002. طوال 15 عامًا تحت قبة البرلمان، 

كان فهمي عمر صوتًا مدافعًا عن حقوق أهل الصعيد، ومساهمًا في صياغة التشريعات المتعلقة بالإعلام والثقافة، مستفيدًا من خبرته الطويلة وحنكته الإدارية. لقد نجح في أن يكون "نائب الشعب" بنفس القدر الذي كان به "مذيع الشعب"، محافظًا على تواصله المباشر مع البسطاء في قريته "الرئيسية"، حيث ظل منزله مفتوحًا للجميع لحل مشكلاتهم وتقديم المشورة، مما عزز من مكانته كزعيم روحي وشيخ جليل في عيون الجميع.

المشهد الأخير.. وداع يليق بـ "شيخ المذيعين"

إن مشهد تشييع الجثمان في نجع حمادي، وصعود الجنازة إلى مقابر العائلة وسط آلاف المصلين، هو رسالة وفاء لرجل أعطى وطنه الكثير دون انتظار مقابل. رحل فهمي عمر تاركًا خلفه إرثًا إذاعيًا سيظل يدرس للأجيال القادمة، ودروسًا في التواضع والارتباط بالأرض والجذور.

 لقد نعته المؤسسات الإعلامية الرسمية والخاصة، ووصفه الزملاء بأنه كان "الأب الروحي" لكل إعلامي مبتدئ، والمعلم الذي لم يبخل يومًا بنصيحة. إن غياب هذا الصوت الجهوري هو خسارة كبيرة للإعلام العربي، لكن عزاءنا الوحيد أن مدرسته ستبقى حية من خلال تلاميذه الذين تتلمذوا على يديه، ومن خلال البرامج الخالدة التي لا تزال تبث عبر أثير الإذاعة المصرية، لتذكرنا دومًا بأن "فهمي عمر" لم يكن مجرد مذيع، بل كان فصلًا كاملًا من تاريخ مصر الثقافي والإعلامي.

الإرث الخالد في ذاكرة الوطن

ستظل سيرة فهمي عمر العطرة تتناقلها الأجيال في محافظة قنا وفي كل ربوع مصر، حيث يمثل نموذجًا للفنان والإعلامي والسياسي الملتزم. إن تكريمه الحقيقي ليس فقط في الجنازة المهيبة، بل في الحفاظ على القيم والمبادئ المهنية التي أرساها في العمل الإذاعي، وفي صدق الكلمة وأمانة الرسالة. 

لقد رحل شيخ الإذاعيين جسدًا، لكن صوته سيبقى حيًا في الأرشيف الإذاعي، وحاضرًا في قلوب كل من استمع إليه عبر "مجلة الهواء" أو ضحك معه في "ساعة لقلبك". رحم الله الفقيد الكبير وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه والأسرة الإعلامية الصبر والسلوان، ليبقى اسم فهمي عمر رمزًا للشموخ والنزاهة والإبداع المصري الأصيل.