منى جبر وناهد جبر.. حكاية شقيقتين تركتا بصمة لا تُنسى في تاريخ الفن المصري

منى جبر
منى جبر

تُعد الفنانة والإعلامية القديرة منى جبر واحدة من الركائز الأساسية في تاريخ الإعلام والفن المصري، حيث استطاعت بطلتها المثقفة وملامحها الهادئة أن تحجز لنفسها مكانًا فريدًا في قلوب المشاهدين العرب منذ ستينيات القرن الماضي. 

ولدت منى جبر في 18 ديسمبر من عام 1938، ونشأت في أسرة عريقة فهي ابنة اللواء عبد الفتاح جبر وشقيقة الفنانة الشهيرة ناهد جبر. تميزت منى منذ بداياتها بشغفها بالعلم والمعرفة، وهو ما تجسد في حصولها على درجة الماجستير في الآداب، مما منحها ثقلًا ثقافيًا نادرًا ميزها عن زميلاتها في ذلك الجيل، لتصبح نموذجًا للمرأة المصرية المتعلمة والطموحة التي تقتحم مجال الإعلام من أوسع أبوابه، وتثبت أن الجمال حين يمتزج بالثقافة يخلق كاريزما لا يمكن تكرارها أو نسيانها بمرور الزمن.

التألق الإعلامي والريادة في ماسبيرو

بدأت منى جبر رحلتها المهنية خلف ميكروفون وأمام كاميرات التلفزيون المصري في عام 1960، وهو العام الذي شهد ولادة التلفزيون في مصر، لتكون من أوائل المذيعات اللواتي وضعن حجر الأساس لمدرسة التقديم التلفزيوني الراقي.

 لمعت منى جبر كمذيعة برامج من طراز رفيع، وكان برنامجها الشهير "اثنين على الهوا" بمثابة علامة فارقة في مسيرتها، حيث أظهرت قدرة فائقة على الحوار اللبق وإدارة النقاش بذكاء وجاذبية. لم يقتصر دورها الإعلامي على تقديم البرامج المنوعة فحسب، بل كانت رائدة في تقديم البرامج المتخصصة مثل برنامج "فن الباليه" الذي قدمته في فترة الثمانينيات، والذي ساهم في نشر الوعي بهذا الفن الرفيع. وبفضل خبرتها الطويلة، تولت منى جبر مناصب إدارية هامة، من أبرزها إدارة قنوات أطفال عربية، حيث ساهمت في تشكيل وجدان الأجيال الجديدة برؤية تربوية وفنية متطورة.

السينما وشخصية الفتاة الرومانسية الحالمة

كما حدث مع زميلتها المذيعة نجوى إبراهيم، التفتت السينما المصرية سريعًا إلى جمال وثقافة منى جبر، فجاءتها فرصة البطولة لتقديم شخصية الفتاة الرومانسية الرقيقة التي تتناسب مع ملامحها الطبيعية. بدأت مسيرتها السينمائية في أوائل السبعينيات بفيلم "السكرية" عام 1973، ولكن الانطلاقة الحقيقية التي جعلتها اسمًا محفورًا في ذاكرة السينما كانت من خلال دورها في فيلم "الحفيد" عام 1975، حيث جسدت دور الفتاة التي تعيش تفاصيل عائلية دافئة، وهو الفيلم الذي يُعد من كلاسيكيات السينما المصرية. توالت بعدها أعمالها المميزة مثل "النداهة"، "الأبطال"، و"وراء الشمس"، وصولًا إلى "أنياب" و"عندما يأتي المساء". تميزت أدوارها بالرقي والابتعاد عن الابتذال، حيث كانت تختار بعناية الشخصيات التي تعبر عن قضايا المرأة والمجتمع بأسلوب فني رفيع يحترم عقلية المشاهد.

الدراما التلفزيونية والاعتزال في أوج العطاء

لم تكتفِ منى جبر بالسينما، بل قدمت للمكتبة الدرامية التلفزيونية مجموعة من المسلسلات التي لا تزال تُعرض حتى اليوم، ومن أبرزها مسلسل "صيام صيام" و"محمد رسول الله" و"أولاد آدم" و"الحب وأشياء أخرى". 

كانت منى جبر في كل دور تؤديه تضفي لمسة من الوقار والمصداقية، مما جعلها من الوجوه المحببة في الدراما الرمضانية والاجتماعية. وعلى الرغم من النجاح الكبير والمطالبات المستمرة باستمرارها، قررت منى جبر اعتزال العمل الفني في أوائل التسعينيات، مفضلة الانسحاب في وقت كان فيه جمهورها لا يزال يشتاق لإبداعها، لتترك خلفها إرثًا فنيًا نقيًا وسيرة عطرة تتداولها الأجيال. وفي حياتها الشخصية، تزوجت من فنان الباليه الراحل عبد المنعم كامل، ثم ارتبطت بالمخرج السينمائي هاني لاشين، لتعيش حياة هادئة بعيدة عن صخب الأضواء، معتزة بما قدمته من فن هادف وإعلام مستنير.

روابط وإرث فني خالد

اليوم، وعند استعراض مسيرة منى جبر عبر مواقع وقواعد بيانات الأفلام العربية مثل "الدهليز" و"قاعدة بيانات الأفلام العربية"، نجد سجلًا حافلًا يضم أكثر من 16 فيلمًا و18 مسلسلًا ومسرحيتين هما "الدنيا مزيكا" و"الثعلب". 

إن هذا التنوع بين الإعلام والتمثيل والإدارة جعل منها حالة فريدة في الفن المصري. لم تكن منى جبر مجرد ممثلة عابرة، بل كانت إعلامية مثقفة حملت رسالة التنوير عبر شاشة التلفزيون، وفنانة موهوبة نقلت مشاعر الفتاة المصرية بكل صدق ورقة. يظل اسم منى جبر مرادفًا للرقي والجمال الهادئ، وتظل أعمالها مرجعًا لكل من يبحث عن الفن الذي يجمع بين القيمة الجمالية والرسالة الأخلاقية، مما يجعلها بحق "أيقونة" من زمن الفن الجميل الذي لا يغيب شمسه أبدًا عن سماء الإبداع العربي.