د. محمد سامي عبدالصادق: الاستثمار في العنصر البشري هو المسار الحقيقي لتقدم جامعة القاهرة
أطلقت جامعة القاهرة برنامجًا تدريبيًا موسعًا يستهدف تأهيل القيادات والكوادر الإدارية، في خطوة تعكس الرؤية الاستراتيجية الجديدة للجامعة الرامية إلى تحديث منظومة العمل الإداري ورفع كفاءة الأداء التنفيذي.
واختتمت الجامعة مؤخرًا دورة "تطوير القدرات" التي شهدت مشاركة واسعة ضمت 53 من مديري العموم وأمناء الكليات، حيث استمرت الفعاليات على مدار خمسة أيام متواصلة من التدريب المكثف والعملي.
ويأتي هذا البرنامج في إطار سعي الجامعة لتقليص الفجوة بين الطموحات المؤسسية الكبرى وبين مستوى الأداء التنفيذي على أرض الواقع، مؤكدة أن تطوير الأداء لم يعد رفاهية بل ضرورة حتمية تفرضها متطلبات المرحلة الحالية والتحول المؤسسي الشامل.
ويهدف البرنامج إلى إعداد جيل من القادة الإداريين القادرين على تنفيذ الخطة الاستراتيجية للجامعة بكفاءة واحترافية عالية، بما يضمن الحفاظ على مكانة جامعة القاهرة محليًا وإقليميًا ودوليًا كمنارة للعلم والإدارة المتميزة.
وأكد الدكتور محمد سامي عبدالصادق، رئيس جامعة القاهرة، أن الجامعة تعمل وفق منهجية علمية تضع الاستثمار في العنصر البشري على رأس أولوياتها، مشيرًا إلى أن مقابلات لجنة القيادات للمرشحين لشغل المناصب الإدارية العليا قد كشفت بوضوح عن احتياجات فعلية وملحة للتدريب والتأهيل في الجوانب الإدارية والقيادية الحديثة، وهو ما استدعى تدخل الإدارة لوضع برامج تدريبية متطورة تغطي كافة القطاعات.
وشدد رئيس الجامعة على أن هذه البرامج لن تقتصر على فئة معينة، بل ستمتد لتشمل جميع منتسبي الجامعة دون استثناء، مع التركيز على مبدأ التقييم المستمر لضمان تحقيق أثر فعلي ملموس داخل بيئة العمل، بما يسهم في خلق بيئة إدارية مرنة وقادرة على التعامل مع التحديات المعاصرة والتحول الرقمي الكامل الذي تنشده الجامعة في كافة معاملاتها وخدماتها المقدمة للطلاب وأعضاء هيئة التدريس.
صناعة الكوادر
أوضح الدكتور محمد سامي عبدالصادق أن جامعة القاهرة تمتلك طموحًا مؤسسيًا لا حدود له، ولكن هذا الطموح يتطلب أدوات تنفيذية على نفس المستوى من الكفاءة، ومن هنا جاءت توجيهاته الصارمة إلى أمين عام الجامعة ومركز جامعة القاهرة لضمان جودة التعليم بضرورة إطلاق حزم تدريبية دورية ومكثفة، وأضاف أن العمل الإداري هو العمود الفقري لأي نجاح أكاديمي، وبالتالي فإن شغل المواقع القيادية يقتضي تأهيلًا مناسبًا يوازي حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق المديرين.
وأكد أن الجامعة حريصة على توفير كافة الإمكانيات المادية والبشرية لإنجاح هذه البرامج، مشيرًا إلى أن التميز في الأداء هو المعيار الوحيد للاستمرار في المواقع القيادية، حيث تسعى الجامعة إلى ترسيخ ثقافة الاحترافية في العمل الإداري والابتعاد عن النمطية والروتين الذي قد يعيق مسيرة التطور المستدام داخل جدران أعرق الجامعات المصرية.
وفي إطار هذا التوجه، شدد رئيس الجامعة على أن المرحلة المقبلة ستشهد إطلاق "البرنامج الموسع للتدريب" والذي سيشكل نقلة نوعية في مستوى الخدمات الإدارية، حيث سيتم دمج تكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي في صلب البرامج التدريبية، لضمان قدرة الكوادر الإدارية على التعامل مع الأنظمة الذكية الحديثة.
وأوضح الدكتور عبدالصادق أن الجامعة لا تهدف فقط إلى التدريب من أجل التدريب، بل تسعى إلى "تمكين" القيادات من أدوات الإدارة الحديثة مثل الإدارة بالأهداف وإدارة الوقت والذكاء العاطفي في التعامل مع المرؤوسين، مما ينعكس إيجابًا على الروح المعنوية للعاملين ويؤدي في النهاية إلى تجويد الخدمة التعليمية والبحثية التي تقدمها الجامعة للمجتمع، مؤكدًا أن الاستثمار في البشر هو المسار الحقيقي والمستدام نحو الريادة العالمية.
ضمان الجودة
من جانبه، أكد الدكتور خالد سليمان، مدير مركز جامعة القاهرة لضمان جودة التعليم، أن هذه الدورة التدريبية صُممت بدقة لتتفق مع معايير الجودة المؤسسية ومتطلبات الاعتماد القومي والدولي، وأوضح أن المركز يعمل كذراع فني لدعم قطاعات الجامعة عبر برامج متخصصة تسهم في نشر ثقافة الجودة وتحويلها من شعارات إلى ممارسات يومية.
ولفت الدكتور سليمان إلى أن التعاون الوثيق مع وحدة التدريب وتنمية المهارات يعكس روح التكامل المؤسسي داخل الجامعة، حيث يتم توظيف أفضل الخبرات الأكاديمية والمهنية لنقل المعرفة إلى الكوادر الإدارية، مؤكدًا أن المركز سيواصل تطوير حقائبه التدريبية لتشمل مجالات أوسع تواكب التطورات العالمية في علوم الإدارة وجودة التعليم، بما يضمن بقاء جامعة القاهرة في طليعة المؤسسات التعليمية المطبقة لأحدث معايير الكفاءة الإدارية.
وفي ذات السياق، كشفت الدكتورة سالي فريد، رئيس وحدة التدريب بالمركز، عن المنهجية المتبعة في صياغة البرنامج التدريبي، مؤكدة أنه لم يكن برنامجًا نمطيًا بل صُمم وفق "احتياجات فعلية" تم رصدها بدقة داخل القطاعات الإدارية ومن خلال تقارير لجان القيادات، وركز البرنامج بشكل أساسي على تنمية المهارات العملية في مجالات حيوية مثل التخطيط الاستراتيجي، وإدارة الأزمات، والتحول الرقمي، والسلوك الوظيفي الراقي، وأوضحت أن الوحدة ستواصل تقديم برامج نوعية تستهدف فئات مختلفة من الموظفين، مع التركيز على الجوانب التطبيقية التي تضمن تحقيق أثر ملموس في بيئة العمل فور انتهاء التدريب، مشيرة إلى أن التفاعل الكبير من المتدربين يعكس رغبة صادقة في التطور ومواكبة تحديات المرحلة المقبلة التي تتطلب مرونة عالية وفكرًا إداريًا مبتكرًا.
محاور التدريب
اشتملت الدورة التدريبية على محاور استراتيجية غاية في الأهمية، حيث قدم نخبة من أساتذة الجامعة والخبراء محاضرات وورش عمل تفاعلية، وشارك في تقديم المادة العلمية كل من د. هيثم حمزة، ود. هبة حمامة، ود. دينا حسين، والمستشار أحمد عبدالله، ود. راندا جلال، وتركزت المحاور حول كيفية وضع الخطط الاستراتيجية قصيرة وطويلة المدى، وفن إدارة الأزمات والتعامل مع المشكلات الطارئة ببدائل مبتكرة.
كما أفردت الدورة مساحة واسعة لموضوع التحول الرقمي وكيفية رقمنة العمليات الإدارية لتقليل الوقت والجهد ومنع الفساد الإداري، بالإضافة إلى تسليط الضوء على السلوك الوظيفي وأخلاقيات المهنة والقوانين المنظمة للعمل الجامعي، مما منح المتدربين رؤية شاملة تمزج بين الجانب القانوني والجانب المهني والجانب التقني في الإدارة الحديثة.
وشهدت الجلسات الختامية نقاشات ثرية بين المتدربين والمدربين حول كيفية تطبيق هذه المفاهيم في الكليات والإدارات المختلفة، حيث أبدى مديرو العموم وأمناء الكليات حماسًا كبيرًا لنقل ما تعلموه إلى مرؤوسيهم، مما يحقق "الأثر التراكمي" للتدريب.
وأكد المشاركون أن الدورة ساهمت في تصحيح الكثير من المفاهيم الإدارية المغلوطة وزودتهم بأدوات عملية لم تكن متاحة لديهم من قبل، خاصة في مجالات التعامل مع الجمهور والتحول الرقمي، وهو ما يعكس نجاح الجامعة في اختيار المحتوى التدريبي الذي يلامس الواقع الفعلي للعمل الإداري، ويؤكد على أهمية الاستمرار في هذه النوعية من الدورات التي ترفع من سقف الطموحات الشخصية والمؤسسية للعاملين بجامعة القاهرة.
التكريم والتميز
في ختام فعاليات الدورة، قام الدكتور محمد سامي عبدالصادق بتوزيع الشهادات على المتدربين البالغ عددهم 53 مشاركًا، والتقاط الصور التذكارية معهم في أجواء سادها الود والتحفيز، وأشاد رئيس الجامعة بحرص المتدربين على الاستفادة القصوى من البرنامج، مؤكدًا أن هذه الشهادة ليست مجرد ورقة، بل هي عهد على التغيير للأفضل في أداء كل فرد داخل موقعه.
وأعلن عبدالصادق أن الجامعة بصدد إطلاق حزم تدريبية أخرى متخصصة تستهدف السكرتارية التنفيذية، والموارد البشرية، والشؤون القانونية والمالية، لضمان شمولية التطوير في كافة مفاصل الإدارة الجامعية، مشددًا على أن ثقافة التميز المؤسسي أصبحت هي الشعار الرسمي لجامعة القاهرة في المرحلة القادمة، وأن المجتهدين والمطورين لأنفسهم سيكون لهم النصيب الأكبر في تقلد المناصب الأعلى مستقبلًا.
إن ما تقوم به جامعة القاهرة اليوم يمثل نموذجًا يحتذى به في كيفية تطوير المؤسسات الحكومية والأكاديمية، فالتطوير لا يبدأ من المباني والمنشآت فحسب، بل يبدأ من "العقل الإداري" الذي يدير هذه المنشآت.
ومع اختتام هذه الدورة، تضع جامعة القاهرة لبنة جديدة في بناء مستقبلها الإداري، معتمدة على سواعد أبنائها المؤهلين والمدربين وفق أحدث المعايير.
وتبقى الرسالة الواضحة التي بعث بها رئيس الجامعة هي أن التغيير قادم، وأن جامعة القاهرة لن ترضى بأقل من التميز العالمي في كافة قطاعاتها، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، مع خالص التمنيات لجامعة القاهرة بمزيد من التقدم والازدهار في ظل قيادتها الحكيمة وكوادرها الإدارية المتميزة التي تثبت يومًا بعد يوم أنها على قدر المسؤولية.
