نازك الحريري بذكرى الاستشهاد الـ21: نداء للوحدة الوطنية واستعادة حقوق المودعين لبناء لبنان الغد

نازك الحريري
نازك الحريري

شهدت العاصمة اللبنانية بيروت، صباح السبت 14 فبراير 2026، أجواء مفعمة بالحزن والوفاء، حيث توجهت السيدة نازك الحريري، زوجة رئيس وزراء لبنان الراحل الشهيد رفيق الحريري، إلى قبر زوجها لإحياء الذكرى الحادية والعشرين لعملية الاغتيال الآثمة التي هزت العالم في عام 2005. 

وفي كلمات رثاء مؤثرة نابعة من القلب، عبرت السيدة نازك عن استمرار مواجع القلب رغم مرور أكثر من عقدين من الزمان، مؤكدة أن "رفيق العمر" لم يغب يومًا عن الوجدان، بل ظل ساكنًا في الروح، يعانق النفس بمحبة ووفاء لا ينضب. وأشارت إلى أن هذه الذكرى، وإن كانت تعبق بأنفاس الحزن، إلا أنها تحمل في طياتها عطر الأمل والرجاء، بعدما تحول استشهاد رفيق الحريري إلى قضية حق وعدالة عالمية، ورمزًا لوحدة الأرض والشعب اللبناني النابض بوقع الحرية والسيادة والاستقلال.

رسالة العقل والحكمة في مواجهة السلاح

وجهت السيدة نازك الحريري نداءً وطنيًا شاملًا إلى جميع اللبنانيين، داعية إياهم إلى النظر بقلوب وعقول حرة إلى نصف الكأس الملآن، والبحث عن مستقبل الإنسان العربي بعيدًا عن منطق الصدام. 

وأكدت في خطابها بوضوح أن المحبة وحدها هي الكفيلة ببناء الأوطان الحرة، مطالبة بالتوقف عن النظر إلى بعضنا البعض بعين الاتهام، لأن المرحلة الراهنة تتطلب أعلى درجات العقل والحكمة. وشددت الحريري على أن لغة لبنان الحقيقية لا يجب أن تكون لغة السلاح، بل يجب أن يكون "سلاحنا هو العلم والثقافة والمعرفة"، مشيرة إلى أن منطق الغالب والمغلوب لن يبني دولة، بل إن الأسلوب الأمثل هو الإيمان بأنه لا يوجد غالب في لبنان سوى الوطن الحبيب لبنان، وهو النهج الذي أرسااه الشهيد الكبير طوال سنوات حكمه ومسؤوليته.

استعادة أموال المودعين ومسيرة قيام الدولة

تطرقت السيدة نازك الحريري في كلمتها إلى الأوجاع الاقتصادية والمعيشية التي يمر بها الشعب اللبناني، منادية بضرورة إكمال مسيرة بناء دولة القانون والديمقراطية والسلم الأهلي. 

وطالبت بوضوح بقضاء عادل ومستقل يمتلك الشجاعة لإحقاق الحق، خاصة فيما يتعلق بملف أموال المودعين التي سُلبت من المواطنين. وأكدت أن المطالبة بإعادة هذه الأموال هي "حاجة ملحة"؛ فبالنسبة لصغار المودعين هي طوق نجاة من الهلاك المعيشي والمرضي، وبالنسبة لكبار المودعين هي ركيزة للاستثمار وإعادة بناء الاقتصاد اللبناني واستعادة ثقة العالم بالدولة. واعتبرت أن هذا الطرح يمثل جوهر فكر الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي كان شعاره "البشر قبل الحجر"، معتبرًا أن الإنماء والإعمار هما الأساس لإعادة بناء الثقة المفقودة بين المواطن والدولة.

العدالة لشهداء المرفأ وطرابلس

لم تغب الأوجاع الوطنية الأخرى عن وجدان السيدة نازك في هذه الذكرى الأليمة، حيث استذكرت بمرارة شهداء مرفأ بيروت الذين "ذرفت دماؤهم هدرًا"، مؤكدة أن الوقت قد حان لتظهر الحقيقة وتأخذ العدالة مجراها الطبيعي لمحاسبة المسؤولين. 

كما توجهت بأحر التعازي والمواساة لأهالي ضحايا مدينة طرابلس "الفيحاء"، مؤكدة أن هذه المدينة كانت ولا تزال غالية جدًا على قلب الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وتمنت الشفاء العاجل للجرحى والمصابين في المصاب الأليم الذي ألمّ بهم مؤخرًا. هذه اللفتة الإنسانية تؤكد أن رؤية الحريري كانت رؤية وطنية جامعة لا تفرق بين منطقة وأخرى، بل تسعى لأن يكون لبنان كلًا لا يتجزأ في آلامه وآماله.

نداء للمساعدة الذاتية قبل طلب عون الأشقاء

طرحت السيدة نازك الحريري تساؤلًا جوهريًا حول كيفية طلب يد العون من الأشقاء العرب والمجتمع الدولي في وقت لم يسعَ فيه اللبنانيون لمساعدة أنفسهم أولًا وتوحيد صفوفهم. 

وأنهت كلمتها بوعد باللقاء دائمًا على أرض لبنان الحبيب، حيث يكون اللبنانيون "يدًا واحدة" ضد كل التحديات، مؤكدة أن "يد الله مع الجماعة"، وهي القوة التي يحتاج إليها لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى لتخطي الصعاب بالحكمة والصبر. إن استذكار قيم الاعتدال والشراكة الوطنية التي أرساها الرئيس الشهيد يظل هو الدرع الحقيقي لحماية صيغة العيش المشترك بعيدًا عن التجاذبات والإصطفافات السياسية الضيقة، ليبقى لبنان "الوطن الرسالة" شامخًا بمبادئه وتاريخه.