الإثنين 09 فبراير 2026
booked.net

كيف تضع حدودًا اجتماعية تحمي صحتك النفسية من الاحتراق والاستنزاف؟

كيف تضع حدودًا اجتماعية
كيف تضع حدودًا اجتماعية تحمي صحتك النفسية من الاحتراق والاست

يعتبر الشعور بالحزن أو الإرهاق الشديد بعد الاختلاط بالآخرين ظاهرة طبيعية تمامًا، ولا يُصنف في أغلب الأحيان كضعف شخصية أو خلل نفسي، بل هو استجابة بيولوجية ونفسية طبيعية للجسم والعقل نتيجة المجهود المبذول في التواصل، حيث يوضح خبراء الصحة النفسية أن فهم الحدود الشخصية والاهتمام بالذات بعد التفاعلات الاجتماعية الكبيرة يمثلان خطوات أساسية لإعادة التوازن النفسي سريعًا، فالإنسان بطبعه يستهلك طاقة ذهنية وعاطفية في مراقبة لغة الجسد، وإدارة الحوارات، والحفاظ على صورة اجتماعية معينة، مما يؤدي في النهاية إلى حالة من الاستنزاف التي تتطلب فترة من السكون والهدوء لاستعادة النشاط، وهي عملية ضرورية للحفاظ على الاستقرار الوجداني ومنع الوصول إلى مرحلة الاحتراق النفسي التي قد تؤثر على جودة الحياة اليومية.

هل يقتصر الإرهاق على الانطوائيين؟

على عكس الاعتقاد الشائع والقديم، لا يقتصر الإرهاق الذي يلي الاختلاط الاجتماعي على الشخصيات الانطوائية فقط، إذ إن الانطوائيين والمنفتحين على حد سواء قد يشعرون بنفس القدر من التعب بعد التفاعل الاجتماعي المستمر، ولكن الأسباب والدوافع تختلف بين الطرفين بشكل ملحوظ، فالانطوائيون يستعيدون طاقتهم الحيوية بالعزلة والهدوء التام والابتعاد عن صخب الزحام، بينما قد يشعر المنفتحون بالإرهاق إذا كان الجو الاجتماعي المحيط بهم مشحونًا عاطفيًا بشكل زائد، أو تطلب منهم بذل مجهود مضاعف للحفاظ على مظهر معين لفترة طويلة، أو في حالات الاضطرار للتعامل مع نزاعات وضغوط اجتماعية متكررة، مما يعني أن استنزاف الطاقة هو سمة بشرية عامة ترتبط بجودة التفاعل ونوعيته أكثر من ارتباطها بنمط الشخصية بحد ذاته.

هبوط السعادة المفاجئ

يؤكد الدكتور إبراهيم حسن، استشاري الصحة النفسية، أن الشعور بالحزن أو الإحباط بعد الانتهاء من التجمعات الكبيرة هو أمر طبيعي جدًا في كثير من الحالات، خاصة لدى الأشخاص الحساسين الذين يتأثرون بتغيرات الحالة المزاجية لمن حولهم، فخلال المناسبات الاجتماعية، يفرز الدماغ كميات كبيرة من هرمونات المتعة والحماس مثل الدوبامين والسيروتونين، وعند انتهاء المناسبة والعودة إلى الهدوء، قد يحدث انخفاض مفاجئ وسريع في مستويات هذه المواد الكيميائية، ما يؤدي إلى شعور مؤقت بالفراغ أو الكآبة أو التعب، كما أن عوامل أخرى مثل السهر لساعات متأخرة، والضوضاء العالية، وتناول المنبهات بكثرة قد تفاقم هذا التأثير السلبي في اليوم التالي، مما يجعل الشخص يشعر بثقل في القيام بمهامه المعتادة.

خطوات استعادة التوازن

للتعامل بفعالية مع الإرهاق الاجتماعي والتخلص من مشاعر الحزن المصاحبة له، يُنصح باتباع استراتيجيات عملية تعيد للجسم هدوءه، ومن أبرزها تخصيص وقت كافٍ للراحة التامة بعيدًا عن الشاشات والضجيج فور العودة من أي مناسبة اجتماعية، مع الحرص على شرب كميات وافرة من الماء وتناول وجبات صحية خفيفة لتعويض المجهود البدني، كما يلعب النوم الجيد دورًا محوريًا في ترميم الحالة النفسية، ويُفضل ممارسة أنشطة مهدئة مثل المشي في الهواء الطلق، أو ممارسة تمارين التنفس العميق، ووضع حدود واضحة لعدد المناسبات المتتالية التي يمكن حضورها دون إفراط، مع القيام بنشاط فردي محبب مثل القراءة أو الاستماع للموسيقى الهادئة، لضمان العودة التدريجية للحياة الروتينية دون الشعور بضغط نفسي أو اجتماعي زائد.

متى نلجأ للطبيب؟

رغم أن التفاعل الاجتماعي مفيد جدًا للصحة العامة وقد يساهم في إطالة العمر وفقًا للعديد من الدراسات الحديثة، إلا أن مراقبة النفس تظل ضرورة قصوى، فإذا استمر شعور الحزن أو الانعزال لفترات طويلة تتجاوز اليومين، أو بدأ الشخص في تجنب الآخرين بشكل دائم خوفًا من هذا التعب، فقد يكون ذلك إشارة لوجود رهاب اجتماعي أو بوادر اكتئاب تتطلب استشارة مختص نفسي، إن التوازن هو السر دائمًا؛ فكما يحتاج الإنسان للتواصل مع الآخرين ليشعر بالانتماء، يحتاج أيضًا للتواصل مع نفسه في هدوء ليفهم احتياجاتها، وتذكر دائمًا أن حاجتك للعزلة بعد الزحام ليست عيبًا، بل هي وسيلة عقلك الذكية ليقول لك "شكرًا، الآن أحتاج لبعض الوقت لأشحن بطاريتي من جديد".