حضرموت تقول كلمتها: نعم للاستقلال ونعم للزبيدي.. ولا اعتراف بقرارات حل المجلس الانتقالي

حضرموت
حضرموت

في لحظة وطنية فارقة تجلت فيها أسمى معاني الإرادة الشعبية الصلبة، شهد وادي وصحراء حضرموت،، حراكًا جماهيريًا غير مسبوق تحت شعار "الثبات والصمود". 

فقد تدفقت سيول البشر من كافة حدب وصوب لتغمر شوارع مدينة سيئون، انطلاقًا من جولة الشهيد بن حبريش التاريخية وصولًا إلى ساحة قصر سيئون، في مسيرة حاشدة تقدمتها قيادات الهيئة التنفيذية المساعدة للمجلس الانتقالي الجنوبي، ورؤساء الهيئات التنفيذية بمديريات الوادي، وبمشاركة فاعلة من "شباب الغضب" وجموع غفيرة من المواطنين الذين أبوا إلا أن يسجلوا موقفًا للتاريخ.

 هذا الاحتشاد الذي يأتي في ظل تعقيدات سياسية وأمنية بالغة، لم يكن مجرد تظاهرة عابرة، بل مثّل استفتاءً شعبيًا متجددًا وتفويضًا مطلقًا للمجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره الحامل السياسي الوحيد والمؤتمن على قضية شعب الجنوب، مرسلًا رسالة شديدة اللهجة إلى الداخل والخارج مفادها أن إرادة أبناء الجنوب عصية على الكسر، وأن كل محاولات الالتفاف على تطلعاتهم الوطنية لن تجد لها مكانًا في تربة حضرموت الأصيلة التي أثبتت اليوم، وبالدليل الميداني القاطع، أنها القلب النابض للهوية الجنوبية الجامعة.

وتأتي هذه الغضبة الحضرمية ردًا مباشرًا على ما يصفه الشارع بـ "مؤامرات الغرف المغلقة"، وتحديدًا ما تردد على لسان الوفد المفاوض في الرياض حول محاولات حل المجلس الانتقالي الجنوبي، 

حيث أعلن المتظاهرون رفضهم القاطع لأي قرارات تنتقص من الهيكل التنظيمي للمجلس الذي بني بدماء الشهداء وتضحيات الأحرار. إن البيان السياسي الصادر عن مسيرة سيئون لم يترك مجالًا للتأويل، إذ أكد أن أي قرارات تتخذ خارج الأطر الرسمية للمجلس الانتقالي لا تعد نافذة ولا تمثل تطلعات شعب الجنوب. هذا الموقف الحضرمي الصلب أعاد ترتيب الأوراق السياسية في فبراير 2026، مؤكدًا أن حضرموت ليست ساحة لتمرير الصفقات، بل هي صمام أمان المشروع الوطني الجنوبي، وأن الاصطفاف خلف الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي يمثل خيارًا استراتيجيًا لا رجعة عنه في مسيرة استعادة الدولة الجنوبية الفيدرالية كاملة السيادة على حدود ما قبل 21 مايو 1990م.

رفض الوصاية والانتهاكات: سيئون تفتح ملف "قوات الطوارئ" واختطاف القيادات

لم تكتفِ حشود سيئون بالجانب السياسي، بل فتحت ملفًا حقوقيًا وأمنيًا شائكًا، حيث أدان البيان الختامي بأشد العبارات سلسلة الانتهاكات التي مارستها "قوات الطوارئ اليمنية" ضد المقرات السيادية للمجلس الانتقالي في سيئون وتريم والقطن، فضلًا عن الاعتداء السافر على منزل الأستاذ محمد عبدالملك الزبيدي، رئيس الهيئة التنفيذية المساعدة.

 هذه الأعمال التي وصفتها الجماهير بـ "الانتقامية"، تعكس حالة التخبط لدى القوى التي تسعى لزعزعة استقرار الوادي وإخضاع إرادة أبناء حضرموت عبر الترهيب الأمني. وطالب المشاركون في مسيرة "الثبات والصمود" السلطة المحلية بالوقوف أمام مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه هذه الاعتداءات، محذرين من مغبة الاستمرار في نهج "بيوت الأشباح" والاختطاف القسري، كما حدث مع المقدم عبدالرحمن غيثان الفيل، الذي طالبت الحشود بالكشف مصيره وإطلاق سراحه فورًا، محملين السلطة مسؤولية سلامته الشخصية في ظل صمتها المريب الذي يثير الكثير من التساؤلات حول تواطؤ أطراف داخلية مع قوى النفوذ الإخوانية والمليشيات الحوثية.

وفي سياق متصل، شدد أبناء وادي حضرموت على ضرورة التمكين الفوري لقوات النخبة الحضرمية وقوات درع الوطن على كامل التراب الحضرمي، معتبرين بقاء "قوات الطوارئ اليمنية" بمثابة استمرار لمنطق "الاحتلال اليمني" المرفوض شعبيًا.

 إن مطالبة الجماهير بإخراج هذه القوات وتطهير الوادي منها تعبر عن رغبة حقيقية في فرض الأمن والاستقرار بأيدي أبناء الأرض، بعيدًا عن التدخلات العسكرية التي تخدم أجندات عابرة للحدود. إن المسيرة أكدت أن حضرموت لم تعد تحتمل وجود تشكيلات مسلحة تدين بالولاء لمركزية "صنعاء" أو للقوى التي تتقاطع مصالحها مع التنظيمات الإرهابية، مؤكدين دعمهم المطلق للقوات المسلحة الجنوبية والأجهزة الأمنية في معركتها الوجودية ضد الإرهاب بمختلف أشكاله ومسمياته.

الاستقلال الوطني والدعم الدولي: مطالب بإطلاق سراح الداعري وتمكين الهوية

امتدت صرخة سيئون لتصل إلى المجتمع الدولي، حيث طالب البيان الختامي بالتدخل العاجل والضغط لإطلاق سراح وزير الدفاع، الفريق الركن محسن الداعري، في خطوة تعكس التضامن الجنوبي الواسع مع القيادات الوطنية المختطفة أو المعتقلة. إن ربط مطالب حضرموت المحلية بقضايا الجنوب الكبرى يؤكد وحدة المصير وتماسك النسيج الاجتماعي والسياسي خلف القيادة العليا للمجلس الانتقالي. 

كما أعلن الحشد تأييده المطلق لكل ما جاء في الإعلان الدستوري المعلن في مطلع يناير 2026، باعتباره الوثيقة التي ترسم ملامح الدولة الجنوبية القادمة، وتضع حدًا لحالة التيه السياسي التي حاولت القوى المعادية فرضها على الجنوب طيلة العقود الماضية. وحذر البيان من أي مشاريع "صغيرة" تحاول سلخ حضرموت عن هويتها الجنوبية تحت مسميات "الإقليمية" أو "الاستقلالية الصورية" التي لا تخدم سوى أعداء الجنوب، مؤكدين أن حضرموت هي قلب الجنوب النابض وعموده الفقري الذي لا يقبل الانكسار.

إن الزخم الشعبي الذي شهدته سيئون في 6 فبراير 2026، يبعث برسالة حاسمة لكل من يراهن على "تعب" الشارع أو تراجعه، فالثبات والصمود هما العنوان الأبرز للمرحلة القادمة. ومع استمرار الحصار الاقتصادي ومحاولات التجويع والالتفاف السياسي، يثبت أبناء حضرموت أن خياراتهم وطنية بامتياز ولا تقبل المساومة.

 إن المسيرة قد وضعت العالم أمام حقيقة واضحة: أن الشعب في الجنوب قد قرر مصيره ولا رجعة عن هدف الاستقلال، وأن المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي هو المفوض الوحيد لقيادة هذه السفينة نحو بر الأمان. وفي ختام الفعالية، أكد المشاركون أن الجنوب ماضٍ بقوة، وأن أي حلول لا تلبي تطلعات الشعب في استعادة دولته لن تُكتب لها الحياة، لتظل سيئون ومن خلفها كل حضرموت شامخة كجبالها، رافضة لكل أشكال الهيمنة والوصاية، ومعلنة بداية عهد جديد من النضال الذي لا ينتهي إلا بتحقيق كامل أهداف التحرير والاستقلال.