في ميلاد أيقونة السينما.. محطات لا تُنسى في حياة نبيلة عبيد وصراعها من أجل الفن

الفنانة نبيلة عبيد
الفنانة نبيلة عبيد

استحوذت الفنانة القديرة نبيلة عبيد على اهتمام واسع من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الفنية، وذلك تزامنًا مع الاحتفال بعيد ميلادها الـ 81، حيث تسابق المحبون والزملاء لتقديم التهاني لهذه القامة الفنية التي حفرت اسمها بحروف من ذهب في تاريخ السينما العربية، 

وتعد نبيلة عبيد حالة فنية فريدة لم تتكرر كثيرًا، إذ استطاعت بذكائها الفني وموهبتها الفطرية أن تحافظ على لقب "نجمة مصر الأولى" لعقود طويلة، متصدرة شباك التذاكر ومنافسة كبار النجوم في زمن لم يكن الاعتراف فيه ببطولة المرأة المطلقة أمرًا سهلًا، 

 

وقد جاءت احتفالات هذا العام لتعكس مدى الارتباط الوجداني بين الجمهور وبين أعمالها التي لا تزال تُعرض وتحقق نسب مشاهدة عالية، مؤكدة أن القيمة الفنية الحقيقية لا تشيخ بمرور الزمن بل تزداد بريقًا وأصالة.

النشأة في حي شبرا واكتشاف الموهبة على يد المخرج عاطف سالم

وُلدت نبيلة عبيد في حي شبرا العريق بالقاهرة، ونشأت في كنف أسرة مصرية متوسطة الحال، حيث بدأ شغفها بالفن يتبلور في سن مبكرة من خلال مداومتها على الذهاب لدور السينما ومراقبة أداء النجمات الكبيرات، وكان القدر يخبئ لها مفاجأة كبرى عندما اكتشف موهبتها المخرج عاطف سالم، الذي رأى فيها وجهًا سينمائيًا واعدًا يجمع بين الملامح المصرية الأصيلة والحضور الطاغي، فقدمها لأول مرة عام 1961 في دور صغير، ليكون بمثابة بطاقة تعارف بينها وبين الكاميرا، إلا أن انطلاقتها الحقيقية والمدوية جاءت في عام 1963 عندما أسند إليها دور البطولة في فيلم "رابعة العدوية"، وهو الفيلم الذي وضعها فورًا في مصاف النجمات الشابات، وبدأت بعده رحلة شاقة وطويلة من العمل الدؤوب لتثبت للجميع أنها ليست مجرد وجه جميل بل ممثلة تمتلك أدوات فنية قوية.

مسيرة حافلة وتطور فني مذهل خلال السبعينيات والثمانينيات

خلال الستينيات والسبعينيات، شاركت نبيلة عبيد في عشرات الأفلام والمسلسلات والمسرحيات، وتدرجت بخطوات ثابتة وواثقة حتى أصبحت واحدة من أكثر نجمات السينما تأثيرًا في وجدان الجمهور، وشهدت فترة السبعينيات ذروة تألقها الفني، حيث بدأت في اختيار أدوار تجسد المرأة القوية والمعقدة، وابتعدت عن أدوار الفتاة الرقيقة لتقتحم مناطق درامية شائكة ناقشت من خلالها قضايا المجتمع بجرأة ووعي شديدين، وأصبحت نبيلة عبيد في تلك المرحلة رمزًا لسينما المرأة والواقع، حيث صنعت تاريخها بالإخلاص التام للمهنة والجرأة في اختيار النصوص الأدبية لكبار الكتاب مثل إحسان عبد القدوس، وظلت متربعة على عرش النجومية، مشكلة ثنائيًا فنيًا مع النجاح الجماهيري والنقدي، وهو ما جعل اسمها ضمانة أكيدة لأي منتج يسعى لتحقيق طفرة في شباك التذاكر.

مدرسة التقمص وتنوع الشخصيات بين الدراما والواقعية الاجتماعية

تميزت المسيرة الفنية لنبيلة عبيد بتعدد مذهل في الأدوار وتنوع فريد في الشخصيات، إذ لم تقع يومًا في فخ النمط الواحد أو التكرار الممل الذي قد يسقط فيه الكثيرون، بل امتلكت قدرة استثنائية على التغلغل داخل أعماق الشخصية وفهم أبعادها النفسية والاجتماعية وتحليل دوافعها الإنسانية قبل الوقوف أمام الكاميرا، وقدمت نبيلة عبيد خلال مشوارها دور الأم، الابنة، الزوجة، المعلمة، سيدة الأعمال، وحتى أدوارًا غير تقليدية مثل الشرطية، الخادمة، والراقصة، والمرأة البسيطة المقهورة، وصولًا إلى أدوار القاتلة والشخصيات الصوفية، وفي كل هذه الأنماط، كانت منحازة بشكل كامل لقضايا الإنسان وهموم المرأة المصرية، مساهمة في كشف صور متعددة من الفساد الاجتماعي والظلم الإنساني بأسلوب فني راقٍ ومقنع.

الرقص كأداة تعبير درامي في أفلام نجمة مصر الأولى

على الرغم من ارتباط اسم نبيلة عبيد في أذهان البعض بتقديم أدوار الراقصة في أفلام شهيرة، إلا أنها قدمت هذا الدور من منظور مختلف تمامًا عما كان سائدًا، حيث تحول الرقص في أفلامها من مجرد فقرة استعراضية إلى وسيلة تعبير درامي قوية تعكس آلام وأحلام الشخصية وتطورها النفسي، وتميزت التابلوهات الراقصة التي قدمتها بتوقيع خاص وحركات تعبيرية جعلتها جزءًا أصيلًا لا يتجزأ من البناء الدرامي للفيلم، وليس مجرد إقحام للترفيه، وهذا التوظيف الذكي للموهبة الحركية ساعد في تعميق الصراع الدرامي في أفلام مثل "الراقصة والسياسي" و"الراقصة والطبال"، حيث كان الرقص سلاحًا للمواجهة أو تعبيرًا عن الانكسار، مما أثبت أن نبيلة عبيد فنانة شاملة تدرك جيدًا كيف تستخدم كل أدواتها لإيصال الرسالة الفنية للجمهور.

النبل الإنساني والوفاء لزملاء الرحلة الفنية الطويلة

لا يقتصر تميز نبيلة عبيد على موهبتها الفنية الفذة فحسب، بل يمتد ليشمل شخصيتها الإنسانية الراقية التي يحترمها الجميع في الوسط الفني، إذ عُرفت دائمًا بنبلها في الحديث عن زملائها ووفائها الكبير لمن شاركوها رحلة الكفاح والنجاح من مخرجين ومؤلفين وممثلين

 وفي المقابل، لم تُخفِ نبيلة عبيد في لقاءاتها المتأخرة بعض حزنها الإنساني وشعورها بالوحدة نتيجة تضحيتها بالحياة الأسرية من أجل الفن، لكنها واجهت هذا الشعور دائمًا بكبرياء الفنانة الواثقة بقيمتها وتاريخها العظيم، وتمتلك نبيلة عبيد اليوم رصيدًا سينمائيًا ضخمًا تجاوز 90 فيلمًا، جعلها أيقونة خالدة في ذاكرة السينما المصرية، وواحدة من أطول النجمات بقاءً على قمة الهرم الفني، متوجة بحب الملايين الذين يرون فيها صورة للمرأة المصرية القوية والمبدعة.