الخبراء يفسرون سر النشاط الزلزالي في غرب تركيا وعلاقة الصدوع التكتونية

تعبيرية
تعبيرية

شهدت ولاية باليكسير غرب تركيا حالة من الاستنفار والقلق عقب إعلان إدارة الكوارث والطوارئ التركية (آفاد) عن وقوع زلزال جديد بقوة 4.1 درجة على مقياس ريختر أمس حيث سجلت المحطات الرصدية مركز الزلزال عند خط عرض 39.185 شمالًا وخط طول 28.29278 شرقًا. 

وأوضح التقرير الفني الصادر عن الإدارة أن الهزة وقعت على عمق 10.73 كيلومتر تحت سطح الأرض، مما أدى إلى شعور سكان المناطق المجاورة بها بوضوح، وهو ما دفع الكثيرين للخروج إلى الشوارع خوفًا من وقوع هزات ارتدادية أقوى. وتأتي هذه الهزة في سياق نشاط زلزالي متزايد تشهده المنطقة الغربية من تركيا، مما يضع السلطات المحلية في حالة تأهب قصوى لمتابعة أي تطورات قد تطرأ على القشرة الأرضية في هذه المنطقة الحساسة جغرافيًا، خاصة مع تكرار الهزات في نفس الولاية خلال ساعات قليلة.

تفاصيل الزلزال الفجري في قضاء "صندرغي" وتأثيره على سكان غرب تركيا

لم تكن هزة الـ 4.1 درجة هي الوحيدة التي ضربت المنطقة اليوم، بل سبقها زلزال أكثر قوة وقع في ساعات الفجر الأولى بقوة 5.1 درجة على مقياس ريختر، استهدف قضاء "صندرغي" التابع لولاية باليكسير أيضًا. وقد تسبب هذا الزلزال في حالة من الرعب والذعر بين المواطنين الذين استيقظوا على اهتزاز جدران منازلهم،

 حيث أفادت التقارير الأولية بأن الهزة كانت ملموسة في مساحات واسعة تشمل الولايات المجاورة. وتعمل فرق الإنقاذ التابعة لإدارة الكوارث والطوارئ على مسح المناطق المتأثرة للتأكد من عدم وجود خسائر بشرية أو أضرار مادية جسيمة في المباني السكنية، بينما تستمر التحذيرات الرسمية للمواطنين بضرورة توخي الحذر والابتعاد عن المباني المتصدعة، في ظل استمرار النشاط التكتوني الذي تشهده خطوط الصدع في غرب البلاد.

العودة إلى يونيو 2025: زلزال مرمريس وذكريات الرعب في ولاية موغلا

يعيد النشاط الزلزالي الحالي في باليكسير إلى الأذهان الهزة القوية التي ضربت منطقة مرمريس في ولاية موغلا جنوب غرب تركيا في الثالث من يونيو من عام 2025، حيث بلغت قوتها حينذاك 5.8 درجات على مقياس ريختر. وكان وزير الداخلية التركي، علي يرلي قايا، قد أعلن في ذلك الوقت عن استنفار كافة الأجهزة المعنية للتعامل مع تداعيات الزلزال الذي أثار مخاوف السياح والمقيمين في واحدة من أهم المناطق السياحية في تركيا.

 وتؤكد هذه السلسلة من الزلازل المتتابعة أن تركيا تمر بمرحلة من النشاط الزلزالي المكثف، نظرًا لوقوعها فوق عدة خطوط صدع رئيسية، مما يجعلها عرضة لهزات أرضية متفاوتة القوة بشكل دوري، ويستدعي استمرار العمل على تطوير الأكواد الإنشائية وتدريبات الإخلاء لمواجهة أي طوارئ مستقبلية قد تهدد سلامة المواطنين.

كارثة فبراير 2023: الزلزال الذي غير تاريخ تركيا وسوريا الحديث

لا يمكن الحديث عن زلازل تركيا دون التطرق إلى الكارثة الإنسانية الكبرى التي وقعت في شهر فبراير من عام 2023، عندما ضرب زلزال مدمر بلغت قوته نحو 8 درجات على مقياس ريختر جنوب تركيا وشمال سوريا.

 وتسبب هذا الزلزال التاريخي في مقتل وإصابة عشرات الآلاف من الأشخاص، وتدمير مدن بأكملها وتحويلها إلى ركام، في واحدة من أقوى الهزات الأرضية التي شهدتها المنطقة عبر تاريخها الطويل. وامتد أثر الزلزال إلى مسافات شاسعة نظرًا لقرب مركزه من الحدود السورية التركية، مما خلف مأساة إنسانية عالمية لا تزال آثارها النفسية والاجتماعية والاقتصادية باقية حتى اليوم. وتعد تلك الكارثة هي المرجعية الأساسية التي تدفع الحكومة التركية حاليًا لتشديد إجراءات الأمن والسلامة في كافة المناطق المعرضة لخطر الزلازل، خوفًا من تكرار سيناريو مشابه.

التفسير العلمي للنشاط الزلزالي المستمر في المناطق التركية

يفسر الخبراء الجيولوجيون استمرار الهزات الأرضية في تركيا بوقوع البلاد عند نقطة التقاء ثلاث صفائح تكتونية رئيسية هي الأفريقية، والعربية، والأوراسية، وهو ما يجعلها منطقة نشطة زلزاليًا بامتياز. وتعتبر خطوط الصدع مثل "صدع شمال الأناضول" و"صدع شرق الأناضول" من أكثر المناطق خطورة في العالم، 

 

حيث تتحرك هذه الصفائح بشكل مستمر مما يؤدي إلى تراكم ضغوط هائلة في باطن الأرض تنفجر على شكل زلازل. وما تشهده ولاية باليكسير اليوم هو تفريغ لهذه الطاقات الكامنة، ويرى العلماء أن تكرار الهزات المتوسطة مثل هزة الـ 4.1 و5.1 درجة قد يكون مؤشرًا إيجابيًا لتفريغ الضغط تدريجيًا، لكنه في الوقت ذاته يستوجب الحذر من احتمالية وقوع زلزال أكبر إذا لم يتم تفريغ الطاقة بشكل كامل وآمن عبر الصدوع المحلية.

إجراءات السلامة المتبعة وتوجيهات إدارة الكوارث والطوارئ (آفاد)

عقب الزلازل الأخيرة في باليكسير وصندرغي، أصدرت إدارة "آفاد" مجموعة من التوجيهات العاجلة للمواطنين بضرورة تجهيز "حقيبة الطوارئ" والتعرف على أقرب نقاط التجمع الآمنة في مناطق سكنهم.

 كما شددت السلطات على أهمية الهدوء وعدم الانجرار وراء الشائعات التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتدعي التنبؤ بمواعيد زلازل مدمرة، مؤكدة أن العلم الحالي لا يمكنه تحديد وقت الزلزال بدقة متناهية بل يمكنه فقط رصد النشاط وتوقع الاحتمالات. وتقوم الحكومة التركية بتحديث خرائط المخاطر الزلزالية بشكل دوري وتوزيعها على البلديات لضمان التزام شركات المقاولات بمعايير البناء المقاوم للزلازل، خاصة في المدن الكبرى التي تشهد كثافة سكانية عالية مثل إسطنبول وإزمير، لتقليل حجم الخسائر البشرية في حال وقوع أي كارثة طبيعية.

تأثير الزلازل المتكررة على الاقتصاد وحركة السياحة في غرب تركيا

تؤثر الهزات الأرضية المتكررة بشكل مباشر على قطاعي الاقتصاد والسياحة، خاصة في ولايات مثل موغلا وباليكسير التي تعتمد بشكل كبير على الزوار الأجانب والمحليين. وبالرغم من أن الزلازل الأخيرة لم تسبب أضرارًا جسيمة في البنية التحتية السياحية، إلا أن القلق من وقوع هزات أقوى قد يدفع البعض لتأجيل خطط سفرهم. ومن جانبها، تسعى الحكومة التركية جاهدة لتطمين المجتمع الدولي من خلال الشفافية في إعلان البيانات الزلزالية وسرعة الاستجابة للطوارئ، مؤكدة أن المنشآت السياحية الحديثة تم بناؤها وفق أعلى معايير الأمان العالمية. كما تعمل الدولة على برامج تأمين شاملة ضد الزلازل لتغطية أي خسائر محتملة، مما يساهم في تعزيز ثقة المستثمرين في السوق العقاري والتجاري بتركيا رغم التحديات الطبيعية القائمة.

التوقعات المستقبلية واستعدادات الدولة لمواجهة الأزمات الزلزالية

في الختام، يظل ملف الزلازل في تركيا من أكثر الملفات تعقيدًا وأهمية على طاولة الحكومة التركية في عام 2026، حيث تتضافر الجهود العلمية والأمنية لتقليل المخاطر إلى أدنى مستوياتها.

 ومع تكرار الهزات في باليكسير ومرمريس وغيرها من المناطق، تزداد الحاجة إلى تعزيز الوعي الشعبي بكيفية التصرف أثناء وبعد وقوع الزلزال. إن الاستعداد الدائم والرقابة الصارمة على عمليات البناء هما السلاح الوحيد لمواجهة قوة الطبيعة، وبينما تبقى الأعين مراقبة لشاشات الرصد الزلزالي، يظل الأمل معقودًا على أن تمر هذه الهزات بسلام دون خسائر، مع استمرار العمل على بناء مدن أكثر صمودًا في وجه الزلازل لحماية أرواح الملايين من سكان هذه البلاد التي تقع في قلب النشاط التكتوني العالمي.